للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولو كان ينعقد بيعاً عند التسليم لا قبله بساعة لم يثبت خيار الرؤية؛ لأنه يكون مشترياً ما رآه، خيار الرؤية لا يثبت في المرئي، علمنا أنها تنعقد إجارة ابتداء وإن كان القياس يأباه؛ لأنه إجارة على عمل في ملك الأجير لم يصر بيعاً انتهاءً قبل التسليم بساعة، وإن كان القياس يأبى أن تصير الإجارة بيعاً تركنا القياس في الكل لمكان التعامل.

والمعنى في ذلك: أن المستصنع طلب منه العمل والعين جميعاً، فلا بد من اعتبارهما جميعاً (واعتبارهما جميعاً) في حالة واحدة متعذر؛ لأن بين الإجارة والبيع تناف فجوزناها إجارة ابتداء؛ لأن عدم المعقود عليه لا يمنع انعقاد الإجارة ويمنع انعقاد البيع، فاعتبرناها إجارة ابتداء وجعلناها بيعاً قبل التسليم بساعة توفيراً على الأمرين حظهما كما فعلنا هكذا في الهبة بشرط العوض اعتبرناها (هبة) في الابتداء عملاً باللفظ وبيعاً انتهاء عملاً بالمعنى فكذلك هذا، ولهذا قلنا: لو مات قبل التسليم تبطل الإجارة ومتى سلم كان المستصنع بالخيار؛ لأنه اشترى ما لم يره.

وهذا بخلاف ما لو استأجر وراقاً ليكتب له كتاباً بحبره أو صباغاً ليصبغ بصبغه، فإنها تنعقد إجارة ابتداء وانتهاء، وإن كان فيها تمليك العين من المستأجر وهو الحبر والصبغ ممكناً من غير أن يجعل بيعاً في الانتهاء لإيصال الصبغ بملكه، فإن إيصال الصبغ بملكه من غير بيع لم يضطر إلى أن تجعل الإجارة بيعاً انتهاء، وإنه خلاف القياس، فأما هنا تمليك العين من المستصنع تبعاً للعمل غير ممكن وإن اعتبرناها إجارة ابتداء؛ لأن العمل لا يصير ملكاً له قبل ملك المحل، وإذا لم يمكن تمليك العين منه تنعقد الإجارة تبعاً للعمل احتجنا إلى تمليك العين منه أولاً ولا يمكننا ذلك إلا بالبيع فجعلناه بيعاً انتهاء. وجعلناه بيعاً قبل التسليم بساعة ليثبت به خيار الرؤية، ولهذا أورد محمد رحمه الله الاستصناع في كتاب البيوع وفي كتاب الإجارات؛ لأن به شبهاً من الأصلين من الإجارة والبيع، فإنها تنعقد إجارة ابتداء وتنقلب بيعاً انتهاء، فكان له اتصال بالكتابين جميعاً فلهذا أورده في الكتابين.

فإن قيل: لو كان ينعقد إجارة لكان الصانع يجبر على العمل ويجبر المستصنع على إعطاء الدراهم كما في سائر الإجارات، ولو أتى الصانع بمصنوع صنعه قبل العمل يري الصانع عما لزمه بالاستصناع، ولو انعقد إجارة لاستحق عليه العمل بعد العقد. قلنا: الروايات في لزوم الاستصناع وعدم لزومه مختلفة. روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله: أن الصانع لا يجبر على العمل بل يتخير إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، وذكر الكرخي في «كتابه» : أن هذا العقد ليس بلازم ولم ينسب هذا القول إلى أحد، وقال أبو يوسف رحمه الله أولاً: يجبر المستصنع دون الصانع وهو رواية عن أصحابنا رحمهم الله، ثم رجع أبو يوسف عن هذا وقال: لا خيار لواحد منهما بل يجبر الصانع على العمل ويجبر المصنوع على القبول.

وجه ما وري عن أبي يوسف: أنه يجبر كل واحد منهما، أما الصانع فلأنه ضمن العمل فيجبر عليه وأما المستصنع؛ فلأنه لو لم يجبر على القبول يتضرر به الصانع؛ لأنه

<<  <  ج: ص:  >  >>