للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[شروط وجوب الخروج على الإمام]

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل لقوله عليه الصلاة والسلام: (إلا أن تروا كفرا بواحاً عندكم من الله فيه برهان)].

ولا يجب الخروج على ولي الأمر إلا بشروط: الشرط الأول: أن يقع منه الكفر، وهذا الكفر موصوف بثلاثة أوصاف: كفر بواح صريح، واضح لا لبس فيه عندكم فيه من الله برهان.

والثاني: وجود البديل المسلم.

والثالث: القدرة.

فإذا وجدت هذه الشروط وجب الخروج، أما أن يزال كافر ويؤتى بدله بكافر، فلن يحصل المقصود، وكذلك القدرة، لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:١٦]، فإن لم يستطيعوا يصبروا ولو كانت الدولة كافرة، فسييسر الله الخروج.

أما ما يحصل من الانقلابات العسكرية، فيذهب عسكري ويأتي عسكري، وتذهب دولة كافرة وتأتي دولة كافرة، فلم يحصل المقصود.

أما إذا فقدت بعض الشروط فلا يجب الخروج؛ وذلك لأن الخروج على ولي الأمر يترتب عليه مفاسد عظيمة منها: إراقة الدماء، واختلال الأمن، واختلال أحوال الناس، واختلال الاقتصاد والزراعة والتجارة والتعليم، ويتربص الأعداء بهم الدوائر، ونظراً لانشغالهم يتدخل الأعداء باسم حل المشكلات، إلى غير ذلك من المفاسد التي تتريب على الخروج على ولي الأمر، أما الفسق والمعصية فهذه مسألة خاصة به، وتكون النصيحة مبذولة من قبل العلماء فيما يليق بولاة الأمور، فإن حصلت الإزالة فالحمد لله، وإن لم تزل فلا يضرنا؛ لأن الصبر على جور الولاة يترتب عليه تكفير السيئات، ورفع الدرجات، فهو من جنس المصائب.

ولأن هذا فيه ردع للناس وزجر ليتوبوا إلى الله؛ لأن الولاة ما سلطوا على الرعية إلا بسبب فساد أعمالهم، والله تعالى يقول: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:٣٠]، فإذا أراد الناس أن يتخلصوا من ظلم الجائر، فعليهم أن يتوبوا إلى الله، ويصلحوا أعمالهم، حتى يصلح الله لهم ولاته، فكما تكونوا يولى عليكم، بل قال تعالى لأفضل الناس وهم الصحابة ومعهم نبيهم عليه الصلاة والسلام لما حصل لهم ما حصل في غزوة أحد قال الله: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران:١٦٥]، فإذا كان الصحابة وهم خير الناس ومعهم نبيهم خير الناس أفضل الخلق يقال لهم: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران:١٦٥]، فكيف بمن سواهم؟! فإن قيل: هناك من المشايخ من يجوز الخروج على ولاة الأمر هذه الأيام، قلنا: قد بين الله لنا ماذا نعمل عند وجود الخلاف فقال الله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:٥٩]، وقال: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى:١٠]، فإذا تنازع الناس في المسألة وجب عليهم ردها إلى الكتاب والسنة، وإذا رددنا ما نحن فيه من مسألة إلى الكتاب والسنة وجدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إلا أن ترو كفراً بواحاً، عندكم فيه من الله برهان)، فهذا نص صريح في أنه لا يجوز الخروج إلا إذا كفروا كفراً صريحاً.

وكذلك أيضاً حديث عوف ابن مالك الأشجعي، في صحيح مسلم حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيار أئمتكم - يعني ولاتكم - الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قلنا يا رسول الله! أفلا نناجزهم بالسيف قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، وهذا احتج به العلماء على كفر تارك الصلاة؛ لأنهم إذا لم يقيموا الصلاة فهم كفار يجوز الخروج عليهم، ولا يكفر إلا إذا فعل كفراً بواحاً، فدل على أن ترك الصلاة كفر بواح.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة)، رواه مسلم في الصحيح بهذا اللفظ وهو صريح، وهناك أدلة كثيرة تدل على مثل هذا.