للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

تفسير قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً)

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى * فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه:١١٥ - ١٢٢].

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أسباط بن محمد حدثنا الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي.

وكذا رواه علي بن أبي طلحة عنه، وقال مجاهد: ترك.

وقوله: ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ)) يذكر تعالى تشريف آدم عليه السلام وتكريمه، وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلاً، وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة البقرة، وفي الأعراف، وفي الحجر، والكهف، وسيأتي في آخر سورة (ص) يذكر تعالى فيها خلق آدم عليه السلام، وأمره الملائكة بالسجود له تشريفاً وتكريماً، ويبين عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديماً؛ ولهذا قال تعالى: ((فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى)) أي: امتنع واستكبر.

((فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ)) يعني: حواء عليهما السلام، ((فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى)) أي: إياك أن تسعى في إخراجك منها؛ فتتعب وتعنى وتشقى في طلب رزقك، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء بلا كلفة ولا مشقة.

{إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى} إنما قرن بين الجوع والعري لأن الجوع ذل البطن والعري ذل الظاهر، وهذان أيضاً متقابلان، فالظمأ حر الباطن وهو العطش، والضحى حر الظاهر].

وهذه الآيات فيها تكريم الله لآدم، فالله تعالى كرم آدم وفضله بأنواع من التفضيلات منها: أنه خلقه الله بيده، وهذه مزية ليست لغيره من المخلوقات، فإن سائر المخلوقات خلقها الله بكلمة كن؛ ولهذا جاء في بعض الأحاديث التي استدل بها على تفضيل الأنبياء على الملائكة: أن الملائكة قالوا: يا ربنا! كما جعلت الدنيا لبني آدم يلهون ويأكلون ما يشتهون، فاجعل لنا الآخرة، فقال الرب سبحانه في حديث قدسي: (لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان) فالملائكة خلقوا بكلمة كن، وآدم خلقه الله بيده، وهذا تشريف وتكريم، التكريم الأول: أن الله خلقه بيده، والتكريم الثاني: أنه أسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، فهذه تشريفات عظيمة، وكذلك أسكنه الله الجنة، وقال له الله: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى} [طه:١١٨] أي: لك عيش رغيد، بدون تعب ولا مشقة، فنفى عنه ذل الظاهر والباطن، فالجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر.

وقوله: ((وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى)) الظمأ حر الباطن، ويضحى حر الظاهر، ولهذا فإن المحرم يكشف الرأس، ولما رأى بعض السلف من يغطي قال له: اضح لمن حرمت له، يعني: اكشف رأسك.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى)) قد تقدم أنه دلاهما بغرور، {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}.

وقد تقدم أن الله تعالى عهد إلى آدم وزوجه أن يأكلا من كل الثمار، ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة، فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها، وكانت شجرة الخلد، يعني: التي من أكل منها خلد ودام مكثه].

والله تعالى حذر آدم وحوى من طاعة الشيطان، فقال تعالى: {إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه:١١٧]، وأمرهما أن يأكلا من جميع الثمار التي في الجنة إلا شجرة واحدة عينت لهما؛ لحكمة بالغة، ولكن الشيطان ما زال بهما حتى أوقعهما في الأكل منها، حيث جعل يزين لهما، ويحلف لهما، وأقسم أنه ناصح، وهو كذاب، قال عز وجل: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف:٢١].

فاغترا فأكلا منها، فلما أكلا منها سقطت الثياب التي على الظاهر، وبدت العورة، فالمعاصي عري، وكشف للسوأة، فلما عصيا الله سقطت الثياب، فاستحيا من ربهما، وجعلا يخصمان من ورق الجنة، ويستران أنفسهما من من ورق الشجر، قال عز وجل: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [الأعراف:٢٢]، فالمعاصي ذل وعري في الباطن.

وهناك حكمة لله عز وجل من عصيانهما وخروجهما من الجنة وهي: إسكانهما في الأرض، وانتشار الذرية، ووجود الأنبياء والصالحين والأبرار والفجار والكفار، وليبتلي هؤلاء بهؤلاء، وما يحصلون من الطاعات والمعاصي، وحصول العبودية المتنوعة، وابتلاء هؤلاء بهؤلاء، وذلك بأن يبتلي سبحانه المؤمنين بالكفار، والكفار بالمؤمنين، فيحصل من ذلك العبودية المتنوعة، كعبودية الجهاد، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الولاء والبراء، وعبودية الحب في الله والبغض في الله، كل هذه من الحكم والأسرار.

وهكذا ظهور أسماء الله القهرية كالقهار والمتجبر، وظهور أسماء المغفرة والتوبة والرحمة، وبيان قدرة الله على وجود المتقابلات، كل هذه من الحكم المترتبة على فعل المعصية، وإهباطهما من الجنة إلى الأرض.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد، فقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي الضحى سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، وهي شجرة الخلد)، ورواه الإمام أحمد.

وقوله: ((فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا)) قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق آدم رجلاً طوالاً كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه؛ فأول ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة فنازعها، فناداه الرحمن: يا آدم! مني تفر؟ فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب! لا، ولكن استحياءً، أرأيت إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم) فذلك قوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة:٣٧].

وهذا منقطع بين الحسن وأبي بن كعب فلم يسمعه منه، وفي رفعه نظر أيضاً].

هذا الحديث ضعيف؛ لأن الحسن البصري لم يسمع من أبي بن كعب، وفيه عنعنة قتادة وسعيد بن أبي عروبة.

وسقوط اللباس هذا دلت عليه الآية: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} [الأعراف:٢٢]، لكن كونه أخذت شجرة شعر رأسه، وكونه ناداه الله: مني تفر؟ هذا كله يحتاج إلى ثبوت الدليل بذلك، وأما هذا فضعيف؛ لانقطاعه.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ)) قال مجاهد: يرقعان كهيئة الثوب، وكذا قال قتادة والسدي وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن عون حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: ((وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ)) قال: ينزعان ورق التين فيجعلانه على سوآتهما.

وقوله: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه:١٢١ - ١٢٢]، قال البخاري: حدثنا قتيبة قال حدثنا أيوب بن النجار عن يحي بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حاج موسى آدم فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى! أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني، أو قدره الله علي قبل أن يخلقني؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى) وهذا الحديث له طرق في الصحيحين وغيرهما من المسانيد].

وهذا الحديث رواه الشيخان وغيرهما، وهو حديث مشهور وله طرق متعددة، وفيه: (أنه تحاج موسى وآدم لما لقيه، فقال موسى لآدم: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء؟ قال: نعم، قال: فلماذا أشقيتنا وأخرجتنا من الجنة؟ فقال: أنت موسى الذي اصطف