للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الأمر بصحبة الأخيار]

والآية فيها: الأمر بصحبة الأخيار, ومجاهدة النفس على صحبتهم ومخالطتهم وإن كانوا فقراء, فإن في صحبتهم من الفوائد مالا يحصى، لأن الجليس الصالح يرغبك في الخير ويحثك عليه ويزهدك في الشر، أما الجليس السوء فإنه يزهدك في الخير ويرغبك في الشر, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة).

يعني: أنك مستفيد منه على كل حال فهو إما أن يرغبك في الخير ويدعوك إليه، أو يزهدك في الشر.

قال صلى الله عليه وسلم: (ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً كريهة) أي: أنك متضرر على كل حال من جليس السوء.

فهو يحسن لك الشر ويزهدك في الخير فأنت متضرر منه على كل حال، ولا شك أن مصاحبة الأخيار ولو كانوا فقراء ولزومهم فيها فوائد عظيمة.

وجملة: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف:٢٨]، في موضع الحال ومن قال: إن وجه الله هنا مجاز، وهو كناية على إقباله على العبد كـ الأشعري فقوله غلط فإن الآية فيها: إثبات الوجه لله عز وجل وهي مثل قوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن:٢٧] فيها إثبات الوجه وإثبات الذات جميعاً، والصواب: أنه ليس في القرآن مجاز ولا في السنة.

فإن المجاز لم يعرف إلا بعد الأئمة الأربعة، وحتى الأئمة الأربعة لم يتكلموا في المجاز ولم يكن العرب يعرفون المجاز، ولم يعرفه الصحابة، ولا الأئمة الأربعة وإنما تعلق المتأخرون بكلمة قالها الإمام أحمد، عندما قال: المجاز عن كذا.

وهو لا يريد بها المجاز، وإنمان يريد بها جواز الشيء، والمقصود: أن لله وجهاً حقيقياً والذين أولوه هم الأشاعرة وغيرهم من أهل الكلام.

فالآية فيها إثبات الوجه والذات جميعاً كما قال تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن:٢٧] والذين ينكرون الصفات أو يتأولونها يقولون: ويبقى ذاته.

وقصدهم من ذلك إنكار الوجه ونفيه.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هكذا رواه أبو أحمد عن عمرو بن ثابت عن علي بن الأقمر عن الأغر مرسلاً, وحدثنا يحيى بن المعلى عن منصور حدثنا محمد بن الصلت حدثنا عمرو بن ثابت عن علي بن الأقمر عن الأغر أبي مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا (جاء رسول الله ورجل يقرأ سورة الحجر أو سورة الكهف فسكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم).

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر حدثنا ميمون المرئي حدثنا ميمون بن سياه عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه, إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات).

تفرد به أحمد رحمه الله].

والحديث الأول الذي فيه الرجل الذي يقرأ وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أصبر نفسي مع هذا)، دليل على: أن حلق الذكر والحلق العلمية تدخل في هذه الآية دخولاً أولياً؛ لأن القرآن هو منبع العلوم وأصلها.

والذكر هنا عام يشمل: ذكر المصلي والصائم وقارئ القرآن ومتعلم العلم ومعلمه وهكذا.

والذكر في المسجد أفضل؛ لحديث: (إن لله ملائكة سياحين يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوها قالوا: هذه طلبتكم).

فلا شك في أن المساجد أفضل.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الطبراني: حدثنا إسماعيل بن الحسن حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب عن أسامة بن زيد عن أبي حازم عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: (نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الكهف:٢٨]، الآية.

فخرج يلتمسهم فوجد قوماً يذكرون الله, منهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم).

عبد الرحمن هذا ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة، وأما أبوه فمن سادات الصحابة رضي الله عنهم].

قال في الحاشية: [وتعقبه ابن الأثير بقوله: ولا يصح.

وإنما الصحبة لأبيه ولأخيه أبي أمامة، وله رؤية].

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: {وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:٢٨]، قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم، يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة.

{وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} [الكهف:٢٨] أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:٢٨]، أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع ولا تكن مطيعاً له ولا محباً لطريقته ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال تعالى: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه:١٣١] {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} [الكهف:٢٩]].

وهذا إرشاد للنبي صلى الله عليه وسلم وهو إرشاد لأمته في أنه ينبغي للإنسان أن يصحب الأخيار ويصاحبهم ويجالسهم ويصبر نفسه معهم، وأنه لا ينبغي له أن يركن إلى أصحاب الدنيا والذين غفلوا عن الآخرة, والذين صار أمرهم فرطاً، وصارت أهواءهم تبعاً للدنيا وإنما يلزم الأخيار ويصاحبهم، ويصاحب أهل الذكر والعلم؛ حتى يستفيد منهم وألا يطع أهل الدنيا والمغفلين, والذين ركنوا إلى الدنيا واطمأنوا إليها، وكانت أمورهم فرطاً، وأهواؤهم تبعاً للدنيا.

ولكن إذا زارهم للتذكير وللدعوة فلا بأس، وأما كونه يصحبهم ويركن إليهم ويكون واحداً منهم فهذا معناه أنه يكون كأمثالهم فيغفل عن الآخرة ويركن إلى الدنيا، فيؤثرون عليه.