للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ نحوه. وقيل: الشطر في الأصل لما انفصل عن الشيء إذا انفصل، ودار شطور: أي منفصلة عن الدور، ثم استعمل لجانبه، وإن لم ينفصل كالقطر، والحرام المحرم أي محرم فيه القتال، أو ممنوع من الظلمة أن يتعرضوه، وإنما ذكر المسجد دون الكعبة لأن عليه الصلاة والسلام وكان في المدينة، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها حرج عليه بخلا القريب.

روي: أنه عليه الصلاة والسلام قدم المدينة، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين.

وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمي المسجد مسجد القبلتين. وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ خص الرسول بالخطاب تعظيماً له وإيجاباً لرغبته، ثم عمم تصريحاً بعموم الحكم وتأكيداً لأمر القبلة وتحضيضاً للأمة على المتابعة. وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ جملة لعلمهم بأن عادته تعالى تخصيص كل شريعة بقبلة، وتفصيلاً لتضمن كتبهم أنه صلّى الله عليه وسلّم يصلي إلى القبلتين، والضمير للتحويل أو التوجه وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وعد ووعيد للفريقين. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالياء.

[[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٥]]

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ برهان وحجة على أن الكعبة قبلة، واللام موطئة للقسم مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ جواب للقسم المضمر، والقسم وجوابه ساد مسد جواب الشرط، والمعنى ما تركوا قبلتك لشبهة تزيلها بالحجة، وإنما خالفوك مكابرة وعناداً. وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ قطع لأطماعهم، فإنهم قالوا: لو ثبتَ على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره، تعزيرا له وطَمعاً في رجوعه، وقبلتهم وإن تعددت لكنها متحدة بالبطلان ومخالفة الحق. وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ فإن اليهود تستقبل الصخرة، والنصارى مطلع الشمس. لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك، لتصلب كل حزب فيما هو فيه وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ على سبيل الفرض والتقدير، أي: ولئن اتبعتهم مثلا بعد ما بان لك الحق وجاءك فيه الوحي إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ وأكد تهديده وبالغ فيه من سبعة أوجه: أحدها: الإِتيان باللام الموطئة للقسم: ثانيها: القسم المضمر. ثالثها: حرف التحقيق وهو أن. رابعها: تركيبه من جملة فعلية وجملة اسمية.

وخامسها: الإِتيان باللام في الخبر. وسادسها: جعله من الظَّالِمِينَ، ولم يقل إنك ظالم لأن في الاندراج معهم إيهاماً بحصول أنواع الظلم. وسابعها: التقييد بمجيء العلم تعظيماً للحق المعلوم، وتحريصا على اقتفائه وتحذيراً عن متابعة الهوى، واستفظاعاً لصدور الذنب عن الأنبياء.

[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٤٦ الى ١٤٧]

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني علماءهم يَعْرِفُونَهُ الضمير لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإن لم يسبق ذكره لدلالة الكلام عليه. وقيل للعلم، أو القرآن، أو التحويل كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ يشهد للأول: أي يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبناءهم لا يلتبسون عليهم بغيرهم. عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه سأل عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: أنا أعلم به مني بابني قال: ولم، قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي فأما ولدي فلعل والدته قد خانت. وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ تخصيص لمن عاند واستثناء لمن آمن.

الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ كلام مستأنف، والحق إما مبتدأ خبره من ربك واللام للعهد، والإشارة إلى ما عليه

<<  <  ج: ص:  >  >>