للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عملاً فَمُلاقِيهِ في عملك ما كان من خير أو شر. فالأول قول مقاتل، والثاني قول الكلبي، وقال الزجاج: الكدح في اللغة، السعي في العمل، وجاء في التفسير، إنك عامل عملاً فملاقيه. أي: ملاق ربك. قيل: فملاقي عملك.

ثم قال عز وجل: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ يعني: المؤمن فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً يعني: حساباً هيناً وَيَنْقَلِبُ أي: يرجع إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً الذي أعد الله له في الجنة سروراً به. وروى ابن أبي مليكة، عن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

«مَنْ نُوقِشَ فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ» فقلت: أليس يقول الله تعالى فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً يعني: هيناً. قال: «ليس ذلك في الحساب، إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش للحساب يوم القيامة، عذب» . ويقال: حساباً يسيراً، لأنه غفرت ذنوبه، ولا يحاسب بها، ويرجع من الجنة مستبشراً.

وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ يعني: الكافر، يخرج يده اليسرى من وراء ظهره، يعطى كتابه بها فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً يعني: بالويل والثبور على نفسه. وَيَصْلى سَعِيراً يعني: يدخل في الآخرة ناراً وقوداً. قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة وَيَصْلى سَعِيراً بنصب الياء، وجزم الصاد مع التخفيف. والباقون ويصلى بضم الياء ونصب الصاد مع التشديد.

فمن قرأ يَصْلى بالتخفيف، فمعناه: أنه يقاسي حر السعير وعذابه. يقال: صليت النار، إذا قاسيت عذابها وحرها. ومن قرأ بالتشديد، فمعناه أنه يكثر عذابه في النار، حتى يقاصي حرها.

إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً يعني: في الدنيا مسروراً، بما أعطي في الدنيا، فلم يعمل للآخرة.

[سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١٤ الى ١٩]

إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨)

لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩)

قوله عز وجل: إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ قال مقاتل: ظن أن لن يرجع إلى الله تعالى في الآخرة، وهي لغة الحبشة، وقال قتادة: يعني: ظن أن لن يبعثه الله تعالى. وقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الحبشي، إذا قيل له حر يعني: أرجع إلى أهلك. ثم قال: بَلى يعني:

ليرجعنّ إلى ربه في الآخرة إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً يعني: كان عالماً به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه. قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ يعني: أقسم بالشفق، والشفق الحمرة، والبياض الذي بعد غروب الشمس. وهذا التفسير، يوافق قول أبي حنيفة رحمه الله. وروي عن مجاهد، أنه قال: الشفق هو ضوء النهار. وروي عنه أنه قال: الشفق النهار كله، وروي عن ابن عمر أنه قال: الشفق الحمرة، وهذا يوافق قول أبي يوسف، ومحمد، رحمهما الله.

<<  <  ج: ص:  >  >>