للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[أكثر ما يكون الثبات والأجر عند الفتن والإيذاء]

السؤال

أنا شاب كنت ضالاً فهداني الله، ولكن عندي أبٌ يرتكب بعض المعاصي، وتضايق كثيراً من التزامي حتى أنه إذا رأى معي كتاباً مزقه، ففي مرة من المرات كاد أن يمزق المصحف وحاول أن يدوسه بقدمه، فلما رأيت منه ذلك تركت الصلاة وابتعدت عن أهل الخير، ومنَّ الله عليَّ بشاب طيب زارني وناصحني، وأبشركم أني رجعت -ولله الحمد- إلى المساجد، فما نصيحتكم كيف أتعامل مع والدي؟

الجواب

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهدي والدك، أسأل الله العظيم أن يشرح صدره وأن ينور قلبه وأن يمنَّ عليه بالتوبة إليه، إن ما فعله أمر عظيم، ما فعله كفر وردة -والعياذ بالله- وإذا مات فإن الجنة عليه حرام -نسأل الله السلامة والعافية- أعوذ بالله من سخط الله، ونعوذ بالله من كل شيء لا يرضي الله.

أخي في الله! الحمد الله الذي هدانا وهداك واجتبانا واجتباك فأهنئك بنعمة الله عليك، فقل من كل قلبك وفؤادك: الحمد لله، فإن الله يحب الحامدين، فاحمد الله على نعمته، ولولا أن الله يريد بك خيراً ما قيض من ينتشلك، وأسأل الله أن يجزي هذا الأخ كل خير، وأسأل الله أن يعظم أجره وأن يوفقه، ويوفق أمثالاً من هؤلاء الذين نشهد الله أن الأمة كلها خاسرة إلا أمثال هؤلاء: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:٣] فهنيئاً له هذا الفضل الذي وفقه الله له حينما كتب هدايته عليك، ثم أوصيك أخي في الله: أن تجعل الجنة والنار نصب عينيك، ولا عليك من سخرية الساخرين ولا استهزاء المستهزئين، فإن في الله عوض عن الخلق أجمعين: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف:٢٦ - ٢٧] كان موحداً حنيفياً على وجه الأرض يوم لا أحد سواه في قومه وعشيرته يؤمن بالله، فلما رأى هذا الإعراض منهم عن الله قال: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الممتحنة:٤] فأعرض عنهم فعذبوه وآذوه، ثم انظر كيف يعامل ربك عباده الأخيار؟ ما خاب أحد عامل الله وصدق مع الله، بل إنه إذا صدق الله صدق الله معه، خرج من قومه وعشيرته، فأبدله الله الأرض المقدسة أرضاً أبرك وأطهر من الأرض التي كان عليها ثم فارق أباه فجعل الله في ذريته النبوة والكتاب إلى يوم الدين خلف من الله عز وجل، فاستعصم بالله وإياك أن تعيد الكرة، فبمجرد أن ترى من أبيك أو من قريبك الاستهزاء تضعف، فإن المؤمن قوي، المؤمن لا تزيده الفتن والمحن إلا ثباتاً وقوة وصبراً على طاعة الله جل جلاله: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [الجمعة:٤] فنسأل الله أن يثبت قلوبنا بالتثبيت، إياك أن ترجع لها، وإياك أن تعود، فاثبت بتثبيت الله جل جلاله، ولو رأيته مزق المصحف فمزق من قلبك حبه، وانزع من قلبك ولاءه، واجعل حبك لله ولو كان أقرب الناس منك، ولو كان أباك أو أمك ولو كان أقرب الناس إليك، فعدو الله عدوك، وولي الله وليك ولو كان من كان من الخلق والناس، فكن مع الله صادقاً بصدقك.

أولاً: أوصيك فيما بينك وبين الله ببغضه في الله لأجل عمله، والقلوب لا سلطان لأحد عليها إلا الله جل جلاله، فالله يحاسبنا على محبة أعدائه أو موالاة من لا يرضاه سبحانه وتعالى، القلب ليس لأحد عليه سلطان، فهذا لا تعذر فيه أباك، ولا تواليه ولا تحبه في الله جل جلاله، بل تبغضه في الله سبحانه وتعالى، وهذا البغض عمل قلبي يرفع الله به درجتك ويعظم الله به أجرك ويصلح به أمرك.

الأمر الثاني: نصيحة صادقة، واهتداء بهدي الأنبياء والمرسلين واتباع للخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ذكره بالله جل جلاله، واغتنم أفضل الأوقات لتذكيره بالله، حتى تعذر إلى الله وتنفض من ثوبك ومن عهدتك المسئولية بين يدي الله جل جلاله، استشعر آناء الليل وأطراف النهار أن الله سائلك عنه، فالله سيسألك عن هذا الأب، فابذل كل ما تستطيع لنصحه، وله عليك فضل كبير بعد فضل الله عز وجل، فليكن من رد المعروف أن تهديه، ثم دعوة صادقة في دياجير الظلمات والسجود، ودعوة صادقة تخرجها من قلب مؤمن بالله جل جلاله إلى مقلب القلوب ومصلح الأحوال علاَّم الغيوب سبحانه أن يهديه، وقل: رب أسألك أن تنعم عيني فأرى أبي من الساجدين، وأن تنعم عيني فأرى أبي من المطيعين والمؤمنين المخبتين، وما ذلك على الله بعزيز، هو على الله هين، أمره بين الكاف والنون سبحانه وتعالى، والقلوب بين إصبعين من أصابعه، فاسأل الله فإن العطية من الله جل جلاله.

أما الوصية الأخيرة: فاصبر على الأذى واحتمل لوجه الله جل وعلا، قال عروة بن الزبير: [والله ما قام أحد مقاماً لله فأهين فيه إلا أقامه الله مقاماً أعز منه وأكمل] فإذا أهانك في البيت فاعلم أن الله سيجعل لك يوماً تكرم فيه في هذا البيت، أهانت قريش نبي الأمة على الصفا حين دعاها إلى التوحيد؛ فجاء اليوم الذي تحته عليه الصلاة والسلام مائة ألف من أمته وأصحابه يحجون كحجه -صلوات الله وسلامه عليه- ووقف على الصفا فقال: الله أكبر، فكان أول ما قال: الله أكبر، بالأمس يهان على هذا الجبل، واليوم الأمة كلها تقول: ماذا يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بالأمس يقولون له: الصابئ والأبتر والكذاب، وحاشاه! واليوم يقولون: ماذا يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ويقتتل الرجال والنساء حتى يرون شخصه ماذا يفعل من هديه صلوات الله وسلامه عليه، فاعلم أن الله عز وجل يخلفك بخير، فإذا استهزأ بك فإن الله لا يستهزئ بك، وإن استخف بك فإن الله يجلك ويكرمك، وهذا الاستهزاء والسخرية التي تسمعها من إخوانك وأخواتك وأولادك وزوجك ما هي إلا حسنات تخط لك في دواوين الحسنات، فقر عندها عيناً، وارض عن الله لعل الله أن يرضيك، والله تعالى أعلم.