للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[من ابتلاه الله فعليه بحسن الظن بالله والصبر والدعاء]

السؤال

أنا مصاب باضطراب في الشخصية، ورجفة في جميع أعضاء الجسم، وخوف شديد، أرجو أن تدعو الله لي بالشفاء العاجل على تأمين إخواني المسلمين وجزاكم الله خيراً؟

الجواب

أسأل الله أن يشفيك ويشفي كل مكروب ومنكوب، أخي في الله أوصيك بالصبر واحتساب الأجر، وقد مرت عليك الأيام والليالي، ومرت عليك الأسابيع والشهور، الله أعلم كم كتب في ميزان حسناتك من خيرات، الله أعلم كم مرت عليك ساعات وأنت ترتجف وتتأوه، لو تعلم ما لك من الله من المثوبة لتمنيت أن حياتك كلها في هذا، فنعمت عيون المبتلين إذا لقوا الله رب العالمين، ورأوا في دواوين الحسنات الأجور والدرجات، فنعمت هناك عيونهم، وبهجت قلوبهم وارتاحت نفوسهم، ورضوا عن الله ورضي عنهم ربهم.

فأوصيك بالصبر، فما أطيب العيش بالصبر! قال عمر رضي الله عنه: [وجدنا ألذ عيشنا بالصبر] حينما تنزل في السمع أو في البصر أو في السكر أو في الضغط أو في غير ذلك من المصائب والمتاعب، فتتأوه في ليلك وعليك الملك، لا تتأوه إلا كتب آلامك وأحزانك وأشجانك، ولا يتألم أهلك وزوجك ووالداك إلا كتب الله لهم أجر ذلك، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله إلا كتب الله عز وجل ما كان من عناء ونصب وبلاء، حتى ورد في الحديث: (إذا رأى أهل البلاء يوم القيامة ما لهم عند الله من الأجر، تمنوا أن حياتهم كلها بلاء) إذا رأى أهل البلاء ما لهم عند الله من الأجر في البلاء تمنوا أن حياتهم كلها بلاء، تبتلى نفسيتك يأتيك الضيق النفسي والألم فأوصيك بالصبر.

ثم اذكر الله ذكراً كثيراً كما أمرك الله عز وجل أن تذكره، وبذكر الله يطمئن قلبك، وتثبت شخصيتك؛ لأن الله يثبت بالإيمان ويثبت بذكره القلب والجنان، قال تعالى: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:٢٨] أوصيك بالصبر واحتساب الأجر، وإياك أن تشكي الله إلى خلقه، فاجعل شكواك إلى الله، فهو منتهى كل شكوى، وسامع كل نجوى وكاشف كل ضر وبلوى، فهو المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل، قال يعقوب عليه السلام: {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف:١٨]، وقال عليه السلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف:٨٦] فرد الله ولده إليه وأقر عينه به، وأراه ذلك اليوم الذي اطمأنت فيه نفسه وارتاح فيه قلبه، فاصبر واحتسب الأجر عند الله ولا تشكِ إلا إلى الله.

واعلم -رحمك الله- أنك كلما كظمت غيظك، وكتمت سرك، واشتكيت إلى الله جل وعلا، كلما كان ذلك أرفع لدرجتك، إلا أن تشتكي طلباً للدواء، فإنه يجوز للإنسان، بل ينبغي للإنسان إذا وجد طبيباً أن يصارحه بآلامه، وذلك لا يضر في التوكل، فإن سيد المتوكلين وإمام الصابرين صلوات الله وسلامه عليه كان يقول: (وا رأساه) فاشتكى عليه الصلاة والسلام، فلا حرج أن تشتكي ولكن اشتكي إلى الله، واعلم أن الداء والدواء من الله منزل الداء ومنزل الشفاء.

الأمر الرابع الذي أوصيك به حسن الظن بالله، لعلَّ الله أن يأتي بالفرج، لعلَّ الله أن يأتي بالمخرج، ثم أحسن الظن بالله فإن الشيطان دائماً جرب لا يأتيك أقل شيء ولو شوكة تشاكها حتى يأتيك الشيطان ويقول: الله لا يريدك الله يكرهك؛ لأن الشيطان لا ينفث إلا الخبث، ولا ينفث إلا سوء الظن بالله، ولا ينفث إلا الأمور الخبيثة، فإياك أن يسوء ظنك في البلاء، إذا جاءك المرض والسقم وجاءك إحساس في نفسك أن الله يمقتك ولا يحبك فاعلم أنه من الشيطان واتفل عن يسارك وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم تعلم سري ونجواي أشكو إليك وأنت أرحم الراحمين، فالله أرحم بك من أمك وأبيك، فإن أيوب لما أصابه البلاء قال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء:٨٣] ما ساء ظنه بالله عز وجل أبداً، فلا يأتيك سوء الظن ولو أصابك الضيق النفسي والاكتئاب والتعب والأمراض الشديدة في ضيق النفس وهي من أصعبها، فلا يسوءن ظنك بالله.

فينغاظ عدو الله لما يراك وأنت تملأ قلبك بالمحبة لله، وأنت تحسن الظن بالله، وكأن الله ينظر إلى ذلك القلب في خضم البلاء، وينظر إليه في شدة الضيق والكرب وهو مسلم إلى الله لا إلى شيء سواه.

القلوب يا إخوان لها أعمالٌ صالحةٌ، وقال بعض العلماء: أعمال القلوب في بعض المواقف أعظم عند الله من أعمال الجوارح، ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذُّروا نصفي في البر ونصفي في البحر فلئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات فعلوا به ذلك فأوحى الله إلى البحر أن اجمع ما فيك، وأوحى إلى البر أن اجمع ما فيك، فإذا هو قائم بين يدي الله جل جلاله) سُحق حتى صار كالرماد، فأين الذين يقولون الآن: إنه إذا انفجرت بالإنسان قنبلةٌ من يعيده؟ يعيده الذي أنشأه أول مرةٍ وهو بكل خلقٍ عليم، سف كالسفساف وسفته الرياح فأخذه البحر وأخذته الصحراء في فيافيها، فقال الله للبحر: اجمع ما فيك، وقال للبر: اجمع ما فيك، فإذا هو قائم بين يدي الله، قال: (ما الذي حملك على هذا يا عبدي؟ قال: خوفك، قال: قد غفرت لك).

قالوا: كمال الإيمان، وكمال الخوف من الله من أعمال القلوب العظيمة عند الله سبحانه وتعالى، فاملأ قلبك بحب الله ولو انصبت عليك الشدائد والمصائب والمتاعب، فاملأه حسن ظن بالله، وتذكر أنه اللطيف والرحيم والكريم والحليم وقل: يا رب أسأت، ولو عذبتني لكنت عدلاً في عذابك، ولكن أرجو رحمتك التي وسعت كل شيء، وأسأله أحد الأمرين: إما أن يعطيك صبراً أضعاف ما أعطاك من البلاء، أو يعطيك كشف الضر والعناء، أما أن تتسخط عليه أو تشكي إلى الناس فلا، واملأ قلبك بهذه العقيدة فإن الله يرفع بها درجتك ويعظم بها أجرك.

نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يلطف بنا وأن يرحمنا برحمته الواسعة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وآله وصحبه أجمعين.