للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويقابله القول بالبدعية فإنه متأخر أيضاً ولم أقف على قائل معين له إلا في عصرنا، ويظهر أنه قول موجود قبل ذلك ولكنه متأخر، كما أشار إليه ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤) حين قال: (وزَعْمُ أنها بدعة غير صحيح) ولم يعين قائله، والمهم هنا: أنه في المائة العاشرة وجد القول بالبدعية، ووجد من ينفي ذلك وأنه لا يوجد من منع من جواز عد الذكر بالسبحة عمن سبق من السلف والخلف كما نقله السيوطي؛ وكأنه فيه رد على من بدّعها ومنعها، وبعد البحث تبين صحّة ما نقله السيوطي، وأن القول بالبدعية قول حادث متأخر.

وكل ما ذُكر إنما هو في الجواز، وإلا فلا خلاف أن التسبيح بالأصابع ونحوها أفضل من التسبيح بالسبحة، وقد يقترن بالسبحة أمر زائد يجعلها أقرب إلى البدعة، مثل: تعليقها في الأعناق، أو جعلها كالأساور تعبّداً، وفاعلهما إن سلم من البدعة في الذكر فإنه قد فتح على نفسه باب رياء وشهرة (١)، كما قال ابن تيمية: (إظهاره للناس مثل تعليقه في العنق أو جعله كالسوار في اليد أو نحو ذلك، فهذا إما رياء للناس أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة: الأول محرم والثاني أقل أحواله الكراهة) (٢).

كما أن إظهارها للذكر مع الاجتماع على ذلك من شعار أهل


(١) قال ابن الحاج في المدخل (٣/ ٢٠٥): (ما يفعله بعضهم من تعليق السبحة في عنقه … وقريب من هذا ما يفعله بعض من ينسب إلى العلم فيتخذ السبحة في يده كاتخاذ المرأة السوار في يدها ويلازمها، وهو مع ذلك يتحدث مع الناس في مسائل العلم وغيرها ويرفع يده ويحركها في ذراعه، وبعضهم يمسكها في يده ظاهرة للناس ينقلها واحدة واحدة كأنه يعد ما يذكر عليها، وهو يتكلم مع الناس … فعده على السبحة على هذا باطل إذ إنه ليس له لسان آخر حتى يكون بهذا اللسان يذكر واللسان الآخر يتكلم به فيما يختار، فلم يبق إلا أن يكون اتخاذها على هذه الصفة من الشهرة والرياء والبدعة).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥٠٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>