للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بغيره … [فـ] الإيتاء واجب والأكل ليس بواجب) (١)، بل قد تضعف دلالة الاقتران وإن كان العطف على مفرد يشترك معه في علة أو حكم، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} (٢)، فالعدل واجب والإحسان مندوب (٣)، ولا يبعد أن تشترك المعطوفات في حكمٍ من الأحكام لا في كل الأحكام، وهي قرينة من القرائن قد تقوى وقد تضعف (٤)، وفهم عامة العلماء للحديث يدل على ضعفها في هذا الموضع.

- ثم إن هذه الدلالة إنما يستقيم الاستدلال بها في مسألتنا على القول بعدم وجوب قص الشارب، لكن القول بوجوبه قول قوي (٥)، ولم يعرِض المعترض للقول بالوجوب ولا أدلته؛ لأنه أراد تقرير حكم الاستحباب للاقتران، ولا يخلُو كلامه من اضطراب، وهذا مثال على ذلك:


(١) شرح النووي على مسلم (٣/ ١٤٨).
(٢) من الآية (٩٠) من سورة النحل.
(٣) قال ابن حجر في الفتح (١٠/ ٤٨٠): (قال ابن التين: يستفاد من الآية الأولى أن دلالة الاقتران ضعيفة؛ لجمعه تعالى بين العدل والإحسان في أمر واحد، والعدل واجب والإحسان مندوب. قلت: وهو مبني على تفسير العدل والإحسان وقد اختلف السلف في المراد بهما).
(٤) قال ابن القيم في بدائع الفوائد (٤/ ١٨٣): (دلالة الاقتران تظهر قوتها في موطن، وضعفها في موطن، وتساوي الأمرين في موطن … الخ).
(٥) وعامة العلماء على التفريق بين الشارب واللحية؛ مما يدل على ضعف الاقتران في هذا الموضع خاصة، فيستحب عندهم الأخذ من الشارب، ويحرم حلق اللحية، ولعلَّ سبب التفريق بينهما: أن الأخذ من الشارب مما يتكرر ويحتاج إلى متابعة لا تتيسر لكل الناس، وهو من الأوامر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول كما في الصحيحين: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، بينما ترك اللحية فيه نهي عن الحلق، وأمر بالترك، وهو متيسر لكل أحد، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»، إضافة إلى أن ترك اللحية من زينة الرجال، وحلقها فيه مشابهة للنساء، ومُثلة، وغير ذلك من المعاني التي لا توجد في الأخذ من الشارب. وهناك معنى مهم وهو: أن ترك الشارب ليس فيه عمل للإنسان، بخلاف حلق اللحية ففيه عمل، وهذا أشار إليه ابن تيمية وسيأتي نصه.

<<  <  ج: ص:  >  >>