للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

- فاجتمع الأمر المجرد، مع الأمر المعلل بالمخالفة، مع أمر الله «أمرني ربي»، مع التنبيه على أن الإعفاء من الفطرة، وهذا هو فهم الصحابة، دون تعليق منهم للإعفاء بالمخالفة فقط، كما حكى عنهم عطاء بن أبي رباح بقوله: (كانوا يحبون أن يعفوا اللحية إلا في حج أو عمرة) (١).

- المقصود من ذلك أن قصر العلة الشرعية بإعفاء اللحية على مخالفة الكفار لا يصح؛ فهي علة من العلل وليست كل العلل ولا بعضها (٢)، ولا ينتفي الحكم بانتفائها، وفي الشريعة هناك ما وجد لعلّة، وبقي التشريع مع فوت هذه العلة؛ كالرمل في الطواف، والسعي في الصفا.

- ولو سُلّم بكون مخالفة الكفار هي أوحد العلل في الأمر بإعفاء اللحية، فإن المشركين حول النبي -صلى الله عليه وسلم- يعفون لحاهم ولم يخالفهم (٣)، فكان المقصود بمخالفتهم في اللحية بما خالفوا فيه الفطرة، ولا نخالفهم فيما وافقوا فيه الفطرة؛ ولذا لم يخالف النبي


(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٥٤٨٢) من طريق غندر، عن شعبة، عن منصور قال: سمعت عطاء به، وسنده صحيح.
(٢) بعض العلة لايثبت الحكم فيها إلا باكتمال العلل؛ كالقصاص في القتل العمد العدوان، فيه ثلاثة أوصاف كل واحدة منها بعض علة، والحكم المعلل بعدة علل لا ينتفي الحكم بانتفاء بعض العلل، والأمر بإعفاء اللحية فيه عدة علل، منها: النهي عن المثلة، وتغيير خلق الله، وهذا مجمع عليه كما نقل ابن حزم على أن حلق اللحية مُثلة، وموافقة الفطرة، ومخالفة المجوس، والنهي عن التشبه بالنساء، كل علة منها مستقلة وكافية في تحريم حلق اللحية لمخالفتها.
(٣) قال الجديع في كتابه اللحية ص (٣٠٩): (دلَّ الإستقراء أن إعفاء اللحية مماجرى به العرف قبل الإسلام، ولم تلغه شريعة الإسلام، وإنما أبقته على ماجرى به العرف). قلت: ولم لا يقال: إنها لم تلغه لموافقته للفطرة؟!

<<  <  ج: ص:  >  >>