للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

-صلى الله عليه وسلم- المشركين مع أنهم أقرب إليه وأكثر مخالطة؛ لأنهم وافقوا الفطرة بإعفاء اللحى، والنهي عن التشبه بالكفار إنما هو (فيما لم يكن سلف الأمة عليه، فأما ما كان سلف الأمة عليه؛ فلا ريب فيه، سواء فعلوه، أو تركوه، فإنا لا نترك ما أمر الله به؛ لأجل أن الكفار تفعله) (١)، وقد كان السلف يعفون لحاهم.

- أما جعل التعليل بالمخالفة من صوارف الأمر إلى الاستحباب، فهذا لم أقف عليه عند العلماء من قبل (٢)، والأصل أن الأمر بالإعفاء اعتضد بالأمر بالمخالفة فقوّاه، ولم يُضعفه، وقد يُصرف هذا الأمر بالقرائن المعروفة كما سيأتي في الأمثلة المذكورة:

- فتغيير الشيب والخضاب ورد مايصرف الأمر فيهما (٣) من الوجوب إلى الاستحباب. وخلاصة الصارف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ثبت أنه لم يخضب شيبه (٤)، وأجمع العلماء على أن أمره بتغيير الشيب للاستحباب لا


(١) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٤٧٢).
(٢) قال أحمد شاكر في تعليقه على مسند أحمد (٦/ ٧٢): (ولم يختلف أهل العلم منذ الصدر الأول في هذا، أعني في تحريم التشبه بالكفار، حتى جئنا في هذه العصور المتأخرة، فنبتت في المسلمين نابتة ذليلة مستعبدة، هجيراها وديدنها التشبه بالكفار في كل شيء، والاستخذاء لهم والاستعباد. ثم وجدوا من الملتصقين بالعلم المنتسبين له، من يزين لهم أمرهم، ويهون عليهم أمر التشبه بالكفار في اللباس والهيئة والمظهر والخلق وكل شيء).
(٣) وهو حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعاً: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون؛ فخالفوهم» أخرجه البخاري (٥٨٩٩)، ومسلم (٢١٠٣).
(٤) أخرج مسلم (٢٣٤١) ونحوه في البخاري (٥٨٩٤)، عن ابن سيرين، قال: سألت أنس بن مالك: هل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خضب؟ فقال: «لم يبلغ الخضاب؛ كان في لحيته شعرات بيض» قال قلت له: أكان أبو بكر يخضب؟ قال فقال: (نعم، بالحناء والكتم)، وجاء في البخاري (٥٨٩٧) عن أم سلمة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خضب، ولذلك قال الإمام أحمد: (قد ثبت عن النبي صلى الله عليه -صلى الله عليه وسلم- الخضاب، فقيل له: فقول أنس؟ قال: غيره يقول: قد خضب … والذي شهد على النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس بمنزلة من لم يشهد). كما في كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٢٢٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>