للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ولأنها يحج إليها الناس من كل فج عميق، فلا بد أن يتعاون أهلها على جعلها مكانا تقدس فيه الحقوق كما يقدس البيت، ولأنها أرض البيت الذى جعله الله تعالى مثابة للناس وأمنا، فلا يكون الأمن للأرواح فقط، بل يكون للأرواح، وللأموال، ولكل ما يحتاج اليه اطمئنان النفس.

[الزواج]

١١٠- بلغ محمد صلى الله تعالى عليه وسلم سن الزواج، ولكنه لم يتزوج فى سن مبكرة، كغيره من الشباب، بل استمر لا يتجه إلى الزواج، أو لا يفكر فيه، حتى بلغ الخامسة والعشرين، كما سنبين.

ولماذا لم يعرف أنه فكر فى الزواج من قبل هذه السن، لقد كان عفا كريما، لم يقع منه فى طفولته ما يشين الكرام، وقد عصمه الله تعالى يوم هم، وهو طفل، أن يلهو بالوقوف عند عرس لا يغشى حراما، ولكن ربما يرى فيه حراما، فصانه الله تعالى بأن ضربه فنام، فنام الليلة كلها، حتى أيقظته الشمس فى ضحاها.

وهو ليس حصورا، كما دلت على ذلك حياته من بعد، وما كان خاملا في قومه، بل هو الذى إذا خطب لا ترد خطبته، وكان فيه خلق قويم يجعل القلوب تهفو إليه، وفيه جمال يجعل الأنظار تتعلق به، وتشرئب الأعناق إليه، وقريش كلها تحبه، وترضاه صهرا.

أكان فقيرا لا يجد ما يبوء به على أهله؟ نعم إنه لم يكن غنيا، ولكنه تعود منذ نعومة أظفاره أن يكون عاملا، فرعي الغنم، ثم اتجر، وإذا كان الاتجار لم يأته موفور يرفعه إلي الثراء، فقد كان فيه الاكتفاء، فلماذا إذن تأخر فى الزواج.

إن الذى نلمسه من تاريخ حياته فى ابتدائها، حتى صار شابا ممتليء الشباب أنه ما كان يعير شهوات البدن اهتماما، فليس للنساء موضع فى تفكيره، إنما يشغل النساء والطعام القلب الفارغ، وما كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فى أى دور من أدوار حياته مما يشغل قلبه لذات الجسم، وشهوات النفس، لاعن ضعف فى النفس، ولكن عن قوة فيها، وهمة عالية تتجه إلى معالى الأمور، وعزيمة صادقة، وإرادة قوية، لا تجعل للهو سلطانا عليها، بل تجعل كل العواطف تحت سلطانها، والغايات العليا هى التى تجذبها، فلا تجذبه امرأة مهما يكن فيها من جمال، ولا تستولى على نفسه غاية يتغياها تتعلق بالبدن، ولا مطلب من مطالب الجسد، وإن لم يتجه إلى الحرمان فى ذاته.

<<  <  ج: ص:  >  >>