للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لا النبع في مغرسه كالعوسج ... ولا الصريح المحض كالممزج

***

فلا تضرب في حديد بارد، ولا تطلب ما لست له بواجد، وباه إذا باهيت بموجودك؛ لا بجدودك، وبمحصولك، لا بأصولك، وبصفاتك، لا برفاتك، وبأعلاقك، لا بأعراقك؛ ولا تطع الطّمع فيذلّك، ولا تتّبع الهوى فيضلّك، ولله القائل لابنه: [الطويل]

بنيّ استقم فالعود تنمي عروقه ... قويما ويغشاه إذ ما التوى التّوى

ولا تطع الحرص المذلّ وكن فتى ... إذا التهبت أحشاؤه بالطّوى طوى

وعاص الهوى المردي فكم من محلّق ... إلى النّجم لما أن أطاع الهوى هوى

وأسعف ذوي القربى فيقبح أن يرى ... على من إلى الحرّ اللّباب انضوى ضوى

وحافظ على من لا يخون إذا نبا ... زمان ومن يرعى إذا ما النّوى نوى

وإن تقتدر فاصفح فلا خير في امرئ ... إذا اعتلقت أظفاره بالشّوى شوى

وإياك والشّكوى فلم تر ذا نهى ... شكا بل أخو الجهل الّذي ما ارعوى عوى

قوله: لا تضرب في حديد بارد، هو مثل لمن يحاول الانتفاع بمن ليس عنده نفع، وقال أبو الشمقمق يهجو سعيد بن سلم: [الطويل]

هيهات تضرب في حديد بارد ... إن كنت تطمع في نوال سعيد

تالله لو ملك البحار بأسرها ... وأتاه سلم في زمان مدود

يبغيه منها شربة لطهوره ... لأبى وقال: تيمما بصعيد

وكذب عليه، كان سعيد بن سلم من أجود الناس. قوله: باه، أي فاخر موجودك ومحصولك: ما تجده من المال ويحصل لك. رفاتك: عظام أجدادك البالية. الأعلاق:

جمع علق، وهو النّفيس الرفيع من الذّخائر. أعراقك: أصولك. قوله: ولا تطع الطّمع فيذلّك، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ إني أعوذ بك من طمع حيث لا طمع، وأعوذ بك من طمع يهدي إلى الطّبع» (١)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيار المؤمنين القانع، وشرارهم الطامع». وقال الحسن البصريّ لبعض ولد عليّ رضي الله عنهما: ما ملاك الدّين؟ قال:

الورع، قال: ما آفته؟ قال: الطمع. قوله: ولا تتّبع الهوى فيضلّك، ابن عباس رضي الله


(١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٣٢، ٢٤٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>