للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[[مما قيل في الضباع]]

والضباع: جمع ضبع؛ وهو نوع من سباع الأرض، وهي مضادّة في الخلقة لسبع الأندلس، لأنها عظيمة الكفل والفخذين رقيقة الصدر، وهذا السبع أزلّ عظيم الصدر، والضبع عظيم البطن، ولذلك سمى حضاجر بالجمع، والحضجر: عظيم البطن.

والحضجر: الوطب الكبير من اللبن، ويشبّه به العظيم البطن، وهي عرجاء مثل هذا السبع، ويضرب بحمقها المثل فيقال: أحمق من ضبع، وأحمق من أمّ عامر وهي كنيتها.

ومن حمقها أنّ الصائد يدخل وجارها فيقول لها: خامري أمّ عامر، ومعناه الجئي إلى أقصى مغارك واستتري، فتتقبّص، فيقول: أم عامر ليست في وجارها، ثم يقول: أبشري أمّ عامر بكمر الرجال، أبشري أم عامر بشاة هزلي، وجرادة عظلى، فتمدّ يديها ورجليها، فيوثقها ويشدّ عراقيبها بحبال فلا تتحرّك، ولو شاءت أن تقتله لأمكنها، ولا يدخل عليها إلا عريانا، وإن دخل بثوب قتلته، ثم يخرج لأصحابه بالحبال، وهم على فم الوجار بأسلحتهم، فيخرجونها بالجرّ من قعر الوجار ويقتلونها.

ومن حمقها أنّها تترك جراءها إذا خرجت تلتمس ما تأكل، فتجد جراء أخرى قد خرجت أيضا لذلك، وتركت جراءها فترضع أولاد غيرها، وتترك أولادها، فربما ضاعت جراؤها فأكلها الذئب. وقال الشاعر: [الطويل]

كمرضعة أولاد أخرى وضيّعت ... بني بطنها، هذا الضلال عن القصد

قال أبو زيد: والضباع لا تفترس شيئا إنما تأكل الجيف، وتنبش القبور عن الموتى، وربما اجتمعت الجماعة منها على حمار فأكلته، وليس لها بالنهار كبير عمل، قال الهذليّ: [الوافر]

تبيت اللّيل لا يخفى عليها ... حمار حيث جرّ ولا قتيل (١)

قوله: «المستضيمة» أي المذلّلة. والضيم: الذلّ؛ يضرب المثل لتلاعب الزمان بالناس بالأسود والضباع، فقال: إنّ الضباع المحتقرة عند الأسود تتناول الأسود بالضرر، وكذلك الزّمان يرفع الحقير والهجين ويكثر رزقه، ويضع الرفيع ويقتّر عليه، ويملّك الهجناء والأراذل الخطط الجسام، ويجرّع النبلاء والأعيان غصص المخازي وكئوس الحمام.

***

[[الدهر وأحواله]]

وهذه أحوال مشاهدة تنسب إلى الدهر لوقوعها فيه، وقدّرها الباري عزّ وجلّ اختبارا لعباده، وليبصّر العقلاء جريان أحكامه في خلقه، وأنّ الكل تحت قهره، وأن كلّ إنسان من


(١) البيت لساعدة بن جؤية الهذلي في ديوان الهذليين ١/ ٢١٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>