للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فتأمل ما اشتملت عليه لفظة «أفانين» مما لو عدّ كان كثيرا، وما اقترن به من جميع أصناف الجودة طوعا من غير طلب ولا مسألة، ثم نفى عنه الكزازة والونى، وهما أكبر عيوب الخيل.

والإشارة من غرائب الشعر وملحه ولا يأتي بها إلا شاعر مبرز، وتسمّى اللمحة الدالة، وأصلها الاختصار، وهي أنواع، فمنها الوحي، كقول جاهلي في يزيد بن الصّعق: [المتقارب]

تركت الركاب لأربابها ... وألزمت نفسي على ابن الصعق (١)

جعلت يديّ وشاحا له ... وبعض الفوارس لا تعتنق

فقوله: «جعلت يدي وشاحا له» إشارة بديعية دالة على الاعتناق بغير لفظة.

[الإيماء]

ومنها الإيماء، فمن ملحه قول قيس بن ذريح: [الطويل]

أقول إذا نفسي من الوجد أصعدت ... لها زفرة تعتادني هي ماهيا (٢)

وقول كثير: [الطويل]

تجافيت عنّي حين لا لي حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح (٣)

فقوله: «غادرت ما غادرت» إيماء مليح.

[التلويح]

ومنها: التلويح، ومن أجوده قول النابغة في طول الليل: [الطويل]

تطاول حتّى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النّجوم بآئب (٤)

فالذي يرعى النجوم هنا الصبح، أقامه مقام الراعي، يغدو فتذهب الإبل والماشية، فتلويحه هذا عجب في الجودة، ومنه قول المجنون: [الطويل]

لقد كنت أعلو حبّ ليلى فلم يزل ... بي النقض والإبرام حتى علانيا (٥)

فلوّح بالصحة والكتمان، ثم بالسقم والاشتهار تلويحا عجيبا.

[التعريض]

ومنها التعريض، كقول عمرو بن معديكرب: [الطويل]


(١) البيتان بلا نسبة في كتاب الصناعتين ص ٣٦٧.
(٢) البيت في ديوان قيس بن ذريح ص ١٦٠.
(٣) البيت في ديوان كثير عزة ص ٥١٥.
(٤) البيت في ديوان النابغة الذبياني ص ٤٠، وفيه «تقاعس» بدل «تطاول»، وأساس البلاغة (قعس).
(٥) البيت في ديوان قيس بن الملوح ص ٢٩٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>