للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قطّ إلا وهو يدعو الدجاجة إلى الحبّ، ويلفظ الحب إليها، إلّا بمرو، فإنني رأيته يأكل وحده، فعلمت أنّ لؤمهم كثير جدّا، وهو فيهم طبع، ورأيت بها طفلا صغيرا، بيده بيضة، فقلت له اعطنيها، فقال لي: ليست تسعها في يدك، فعلت أنّ المنع طبع مركّب فيهم.

لا غرو: لا عجب. زجر الطير. التفاؤل بها، وفسّر الشافعيّ رضي الله عنه قوله النبيّ صلى الله عليه وسلم «أقرّوا الطير على مكناتها» (١). لأن الرجل كان في الجاهلية، إذا أراد الحاجة أتى الطائر في وكره فنغّره، فإن أخذ ذات اليمين مضى لحاجته، وإن أخذ ذات الشمال رجع. فنهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل» قيل: وما الفأل؟ قال: «كلمة طيبة» (٢).

[[الزجر والعيافة]]

وزجر الطير التّيامن بها، والتشاؤم. وكان عند العرب قوّة زائدة وإدراك، فينظر الزّاجر منهم للطائر، ولمّا يفعل، فيستقري من ذلك ما يتيامن به ويتشاءم منه، مثل ما يحكى عن أمية بن أبي الصّلت أنه كان يشرب مع إخوان له في قصر غيلان بالطائف؛ إذ سقط غراب على شرف القصر، فنعب نعبة، فقال له أميّة: بفيك الكثكث- وهو التّراب، فقال له إخوانه ما يقول؟ قال: يقول: إذا شربت الكأس الذي في يدك متّ. ثم نعب نعبة، فقال أميّة نحو ذلك، فقالوا له: وما يقول؟ قال: زعم أنّ علامة ذلك أن يقع على هذه المزبلة تحت القصر، فيستثير عظما، فيشجى به فيموت. فبينما هم يتكلّمون، إذ وقع الغراب على هذه المزبلة ليلتقط، فاستثار عظما، فأراد أن يبتلعه، فشجى به فمات، فانكسر أميّة، ووقع الكأس من يده، وتغيّر لونه، فجعلوا يعيّرونه عليه، ويقولون: ما أكثر ما سمعنا بمثل هذا، وكان باطلا! فألحّوا عليه، حتى شرب الكأس، فمال في شقّ فأغمي عليه، ثم أفاق، وقال: لا بريء فأعتذر، ولا قويّ فأنتصر، ثم زهقت نفسه.

وحكى المدائني قال: خرج كثيّر من الحجاز يريد مصر، ليزور عزّة، فلما قرب منها رأى غرابا على شجرة ينتف ريشه، فتطيّر من ذلك، فلقيه رجل من بني لهب فقال:

يا أخا الحجاز، ما لك كاسف اللون؟ فذكر له ما رأى، فقال: إنك تطلب حاجة لا تدركها. فقدم مصر، والناس منصرفون من جنازة عزّة فقال: [الطويل]

رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ... ينتف أعلى ريشه ويطايره (٣)


(١) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٣٨١.
(٢) أخرجه البخاري في الطب باب ٤٣، ٤٤، ومسلم في السلام حديث ١١٠، وأحمد في المسند ٢/ ٢٦٦، ٢٦٧، ٤٠٦، ٤٥٣، ٥٢٤.
(٣) يروى البيت الأول:
رأيت غرابا واقعا فوق بانه ... ينشنش أعلى ريشه ويطايره
وهو بلا نسبة في لسان العرب (نشش)، وتاج العروس (نشش)، والمخصص ٨/ ١٣١.

<<  <  ج: ص:  >  >>