للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سقتني الرّياح وهي خدّاها ... بأكؤس السّحر وهي عيناها

إذا أرادت مزاجها جعلت ... بآخر اللحظ من فمي فاها

فيا لها قهوة معتّقة ... وليس إلا الخدود مأواها

حبابها الثغر حين تمزج لي ... ونقلها اللّثم حين أسقاها

***

[[ذكر بابل]]

وبابل مدينة كان ينزلها ملوك العجم، وهي دار نمروذ بن كنعان، وكانت بابل، من استعظامها واستبشاع أمرها، لا تكاد تحصل، وأسسها نمروذ، وكانت مدينة ضاحكة المنظر، زاهية البناء، واسعة الفناء، جمعت إلى حسن المنظر رصافة البنيان وبهاء المنصب، فكانت سهلة بطحاء مربعة، في كل تربيع حصنان عظيمان، وسورها لا يكاد سامع خبره يصدقه، كان عرضه خمسين ذراعا، في ارتفاع مائتي ذراع، في دور أربعة وستين ميلا، وحوله خندق يجري فيه الفرات، وفيها مائة باب نحاس.

وهي أقدم بناء بني بعد الطوفان، ونسب السّحر لها لأن بها هاروت وماروت معلمي السّحر، فكان يعجبان من بني آدم حيث يعصون الله تعالى على إنعامه عليهم، فابتلاهما الله تعالى فسلط عليهما الشّهوة الآدمية، وحرم عليهما القتل والزنا والخمر؛ وأنزلهما إلى الأرض للحكم بين أهلها، فجاءتهما الزّهرة في خصام، فوقعت في قلوبهما، فشكا كلّ واحد منهما لصاحبه ما يجده من حبّها، فأرسلا إليها، فراوداها فأبت حتى يعلماها الاسم الذي يرجعان به إلى السماء، فأبيا عليها، قالت لهما: فاشربا الخمر، فشرباها فسكرا وعلّماها الاسم، وواقعاها، ثم خرجا فوجدا رجلا، فظنّا أنه ظهر على أمرهما فقتلاه، وتكلمت الزهرة الاسم الذي يرجعان به إلى السماء فرفعت ومسخت كوكبا وخيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فهما يعذبان ببابل، ويعلمان السحر.

وجاءت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها، فقالت: يا أم المؤمنين، قالت لي امرأة:

هل لك أن أعلّمك شيئا يصرف وجه زوجك إليك! فأتت بتيسين، فركبت واحدا، وركبت الآخر، وسرنا ما شاء الله فقالت: أتدرين أنك ببابل؟ ودخلت على رجلين، فقالا لي:

بولي على ذلك الرماد، فذهبت ولم أبل، ورجعت فقالا لي: ما رأيت؟ فقلت: ما رأيت شيئا، قالا: أنت على رأس أمرك، فرجعت فتشدّدت وبلت؛ فخرج مثل الفارس المقنع، فصعد في السماء، فقالا لي: ما رأيت؟ فأخبرتهما، فقالا لي: ذلك إيمانك فارقك، فخرجت إلى المرأة، فقلت لها: والله ما علّماني شيئا، ولا قالا لي كيف أصنع، فقالت:

فما رأيت؟ قلت: كذا وكذا، فقال: أنت أسحر العرب، اعمليه، فقطعت جداول، فإذا

<<  <  ج: ص:  >  >>