للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حمة بالتخفيف: سمّ وشرّ. يرقى: يصعد في منزله، ويرتفع في أصابع الكاتب حين يكتب به. يرقى: إشارة للرشوة لأنها تسكن شرّة، كما تسكن الرقية الوجع، إعنات: مشقّة. ينشى: يكتب. يغشى: يقصد ويدخل عليه.

[[حائك الكلام]]

هذه المقامة بناها أبو محمد على حكاية حائك الكلام المشهور، لأنهم حقروه أولا في السفينة ثم عظموه آخرا بعد الاختبار.

ونذكر الحكاية وإن طالت لموافقتها المقامة: حدّث عمرو بن مسعدة (١) أنّ المعتصم لمّا رجع من الثغر، وصار بناحية الرّقة قال لي: ما زلت تسألني في الرخّجي (٢) حتى ولّيته الأهواز، وقعد في سرّة الدنيا يأكلها خضما وقضما، ولم يوجّه إلينا بدرهم واحد، اخرج إليه من ساعتك، واحلف ألّا تقيم ببغداد إلّا يوما واحدا، فحلفت له، وقلت في نفسي: أبعد الوزارة أصير مستحثّا لعالم خراج! ولم أجد بدّا من طاعته.

فخرجت إلى بغداد، ففرش لي زورق، وغشّي بالسّلخ (٣)، فلما صرت عند دير هزقل، وإذا رجل يصيح: يا ملاح، رجل منقطع، فقلت للملاح: قرب إلى الشطّ، فقال: هذا شحاذ، وإن قعد معك، آذاك فأمرت الغلمان فأدخلوه في كوثل الزّورق (٤)، فلما حضر الغداء دعوته فأكل أكل جائع، إلّا أنه نظيف، فلما رفع الطعام، أردت أن يستعمل معي ما يستعمل العوامّ مع الخاصة؛ أن يقوم فيغسل يده في ناحية، فلم يفعل، فغمزه الغلمان فلم يفعل، فقلت: يا هذا، ما صناعتك؟ فقال: حائك، فقلت في نفسي: هذه شرّ من الأولى، ثم قال لي: جعلت فداك! سألتني عن صناعتي فأخبرتك، فما صناعتك؟ فقلت:

هذه والله أعظم، فكرهت ذكر الوزارة فقلت: كاتب.

فقال: الكاتب على خمسة أصناف: كاتب رسائل ويحتاج أن يعرف الفصل من الوصل، والتهاني والتعازي والصدور وجملا من الإعراب. وكاتب خراج يحتاج إلى أن يعرف الزرع والمساحة والتقسيط والحساب. وكاتب جند، يحتاج إلى أن يعرف شيات الخيل وحلى الناس وكاتب شرطة يحتاج إلى أن يعرف الجراح والقصاص والدّيات، وكاتب قاض يحتاج إلى أن يعرف الفقه والوثائق وما يتعلق بذلك، فأيهم أنت أعزك الله تعالى؟

قلت: كاتب رسائل، قال: فأخبرني؛ إن كان لك صديق تكتب له في المحبوب


(١) من المعروف أن عمرو بن مسعدة بن سعيد هو أحد وزراء المأمون، وقد توفي سنة ٢١٧ هـ في حياة المأمون، وأن المعتصم ولي الخلافة في رجب سنة ٢١٨ هـ. ولعل هنا خطأ.
(٢) هو عمر بن فرج الرخجي من كتاب المأمون.
(٣) السلخ: الجلد.
(٤) كوثل الزورق: مؤخره.

<<  <  ج: ص:  >  >>