للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لعمري قد حذّرت قرطا وجاره ... ولا ينفع التحذير من ليس يحذر

نهيتهما عن نورة أحرقتهما ... وحمام سوء ناره تتسعّر

فما منهما إلا أتاني موقعا ... به أثر من مسها يتقشّر

أحدّكما لم تعلما أنّ جارنا ... أبا الحسل بالبيداء لا يتنوّر

ولم تعلما حمّامنا في بلادنا ... إذا جعل الحرباء في الجدب يحضر

ورد أعرابيّ البصرة، فنزل على ابن عمّ له، فلما رأى البصريّ شعث الأعرابيّ، أراد أن ينظّفه، فقال له يوم جمعة: إنّ الناس يتطهّرون للجمعة، ويتنظّفون، ويلبسون أحسن الملابس، فتعال أدخلك الحمّام لتتنظّف من قشف السفر والبادية، وتتطهّر للصلاة، فدخل معه الحمام، فعند ما وطئ الأعرابيّ فرش أوّل بيت في الحمام، لم يحسن المشي عليها لشدة ملاستها فزلق، وسقط لوجهه، وصادفت جبهته حرف مدخل البيت، فشجّه شجّة منكرة فخرج مرعوبا وهو ينشد، ودماؤه تسيل: [الكامل]

وقالوا تطهّر إنّه يوم جمعة ... فأبت من الحمّام غير مطهّر

تزوّدت منه شجّة فوق حاجبي ... بغير جهاد بئسما كان متجري

يقول لي الأعراب حين رأينني ... به لا بظبي بالصّريمة أعفر

وما تعرف الأعراب مشيا بأرضها ... فكيف يبيت ذي رخام ومرمر

وقال ابن سكّرة: دخلت حماما، فخرجت وقد سرق مداسي، فعدت إلى داري حافيا وأنا أقول: [الوافر]

إليك أذمّ حمّام ابن موسى ... فإن فاق المنى طيبا وحرّا

تكاثرت اللّصوص عليه حتى ... ليحفى من يطيف به ويعرى

ولم أفقد به ثوبا ولكن ... دخلت محمدا وخرجت بشرا

يريد بشرا الحافي، وكان من كبار الزهاد، ولزم المشي حافيا فلقّب به.

***

وقوله: أمطت، أي أزلت. وعثاء السفر: شدته ومشقته، وفي الحديث: «اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب»، وأصله من الوعث، وهو الدّهس، أي الرمل الدقيق. وقيل: الوعث الرمل تغيب فيه القوائم، وقيل: هو الطريق الخشن الصعب.

بالأثر، أي بالحديث المرويّ. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «من اغتسل يوم جمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الثانية فكأنّما قرّب بقرة، ومن راح في الثالثة فكأنما قرّب كبشا، ومن راح في الرابعة

<<  <  ج: ص:  >  >>