للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الثلاثة الأيام من كل شهر، فيجمعها فى شعبان، ألا ترى قول عائشة: كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم فهذا يبين أنه كان لا يخصّ شيئًا من الزمان؛ بل كان يوقع العبادة على قدر نشاطه، وفراغه لذلك من جهاده وأسفاره، فيقل مرةً ويكثر أخرى، هذا قول المهلب، وقد قيل فى معنى كثرة: صيامه فى شعبان وجوه آخر قد ذكرتها فى باب صوم شعبان فى كتاب الصيام. فإن قيل: فما معنى ذكر حديث أنس فى هذا الباب؟ قيل: معناه أن يوجب ملازمة العمل وإدمانه ما مثل له من الجنة للرغبة، ومن النار للرهبة، فكان فى ذلك فائدتان: إحداهما: تنبيه للناس أن يتمثلوا الجنة والنار بين أعينهم إذا وقفوا بين يدى الله، كما مثلها الله لنبيه، وشغله بالفكرة فيهما عن سائر الأفكار الحادثة عن تذكير الشيطان بما يسهيه حتى لا يدرى كم صلّى، والثانية: أن يكون الخوف من النار الممثلة والرغبة فى الجنة نصب عينى المصلى فيكونا باعثين له على الصبر، والمداومة على العمل المبلغ إلى رحمة الله والنجاة من النار برحمته. فإن قال قائل: فإن قوله (صلى الله عليه وسلم) : (لن يدخل أحدكم عمله الجنة) يعارض قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الزخرف: ٧٢] . قيل: ليس كما توهمت، ومعنى الحديث غير معنى الآية، أخبر النبى (صلى الله عليه وسلم) فى الحديث أنه لا يستحق أحد دخول الجنة بعمله، وإنما يدخلها العباد برحمة الله، وأخبر الله تعالى فى الآية أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، ومعلوم أن درجات العباد فيها متباينة على قدر تباين أعمالهم، فمعنى الآية فى ارتفاع الدرجات وانخفاضها والنعيم فيها، ومعنى الحديث فى الدخول فى الجنة والخلود فيها، فلا تعارض بين شيء من ذلك.

<<  <  ج: ص:  >  >>