للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ابن حبيب وأبو الخطاب الأخفش، فألّف عيسى كتابين سمى أحدهما الكامل والآخر الجامع، قال المبرد: فأخذ الخليل عن عيسى، فلم يكن قبله ولا بعده مثله، وهو القائل يمدح كتابي عيسى: [الرمل]

بطل النحو الّذي جمّعتم ... غير ما أحدث عيسى بن عمر

ذاك إكمال وهذا جامع ... وهما للنّاس شمس وقمر

قال أبو العباس: وقد قرأت أوراقا من أحدهما فكان كالإشارة إلى الأصول، ثم أخذ عن الخليل جماعة لم يكن فيهم مثل عمرو بن قنبر سيبويه، ويكنى أبا بشر وأبا الحسن، وهو من موالي بني الحارث بن كعب فألف كتابه الذي سماه قرآن النحو، وعقد أبوابه بلفظه ولفظ الخليل.

وأبو الأسود من سكان البصرة.

ومستنبط: مستخرج، والّذي استنبط العروض هو الخليل، وذكره بعض العروضيين فقال: للخليل في العروض حكمة مخترعة، وسابقة مبتدعة، تبيّن بذلك فضله، وظهر تقدمه لأنه لم يتّبع فيما وضعه أثرا موجودا، ولا اقتفى فيه رسما مرسوما، واهتدى إلى ما لم يهتد إليه المتقدمون ولا أوجد مزيدا عليه المتأخرون. ولولا الخليل لم يعلم صحيح الشعر من كسيره، ولا سقيمه من عليله، وفي حصره لجميع أوزان العرب في خمس دوائر أعظم العجب لمن تدبر ما صنع وفهم.

وكان الخليل يحب أن يرى عبد الله بن المقفع، وكان ابن المقفع يحب ذلك، فجمعهما عبّاد المهلبي، فتحادثا ثلاثة أيام ولياليهن ثم افترقا، فقيل للخليل: كيف رأيت عبد الله؟ فقال: ما رأيت مثله قطّ وعلمه أكثر من عقله. وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ فقال: ما رأيت مثله قطّ وعقله أكثر من علمه، وصدقا في ذلك، أدّى عقل الخليل إلى أن مات وهو أزهد الناس، وجهل بن المقفع أرداه، فكتب كتابا لعبد الله بن عليّ على المنصور، فقال فيه ما كان مستغنيا أن يقوله، ولا يحتمل الأمراء دون الخلفاء مثله، فقال فيه: ومتى غدر أمير المؤمنين بعمّه عبد الله بن عليّ، فنساؤه طوالق ودوابة حوابس، وعبيده أحرار، والمسلمون في حلّ من بيعته، فاشتد ذلك على المنصور وكتب إلى أمير البصرة أن اقتل عبد الله بن المقفع فقتله.

وقال ابن المقفع إن أكرمك الناس لمال أو لسلطان فلا يعجبنّك ذلك، فإن زوال الكرامة بزوالهما، ولكن ليعجبك إن أكرموك لأدب أو دين.

واتخذ عباد المهلبي أرضا فأراد غرسها، فلامه أصحابه وقالوا: هي سبخة فأشار عليه الخيل بغرسها فغرسها، فجاءت بكل شيء حسن، فحمل إليها الخيل فاستحسنها، وقال: [البسيط]

<<  <  ج: ص:  >  >>