للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَأَمَّا إذَا أَكْرَهَهُمْ الْقُضَاةُ عَلَى هَذِهِ الشَّرِكَةِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ، فَهَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْعُقُودِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّ الْقُضَاةَ هُمْ الَّذِينَ يَأْذَنُونَ لَهُمْ فِي الِارْتِزَاقِ بِالشَّهَادَةِ، وَذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى تَعْدِيلِهِمْ، لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الصُّنَّاعِ الَّذِينَ يَكْتَسِبُونَ بِدُونِ إذْنِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَإِذَا كَانَ لِلْقُضَاةِ أَمْرٌ فِي ذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي التَّشْرِيكِ بَيْنَهُمْ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قُعُودِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا وَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الشَّهَادَةِ، إذْ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ لَا تُحَصِّلُ مَقْصُودَ الشَّهَادَةِ.

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُرَاعَى فِي ذَلِكَ مُوجَبُ الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَحَدُهُمْ عَنْ عَمَلٍ هُوَ عَلَيْهِ، وَلَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الرِّزْقِ الَّذِي وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ أَوْ مُتَفَرِّقِينَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ الْأَمْوَالِ الَّتِي يُجْهَلُ مُسْتَحِقُّهَا مُطْلَقًا أَوْ مُبْهَمًا]

٨٣٧ - ٦ مَسْأَلَةٌ:

فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يُجْهَلُ مُسْتَحِقُّهَا مُطْلَقًا أَوْ مُبْهَمًا فَإِنَّ هَذِهِ عَامَّةُ النَّفْعِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ يَحْصُلُ فِي أَيْدِيهِمْ أَمْوَالٌ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ، إمَّا لِكَوْنِهَا قُبِضَتْ ظُلْمًا: كَالْغَصْبِ وَأَنْوَاعِهِ مِنْ الْجِنَايَاتِ، وَالسَّرِقَةِ وَالْغُلُولِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهَا قُبِضَتْ، بِعَقْدٍ فَاسِدٍ مِنْ رِبًا أَوْ مَيْسِرٍ، وَلَا يَعْلَمُ عَيْنُ الْمُسْتَحِقِّ لَهَا، وَقَدْ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ أَحَدُ رَجُلَيْنِ وَلَا يَعْلَمُ عَيْنَهُ: كَالْمِيرَاثِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ لِإِحْدَى الزَّوْجَيْنِ الْبَاقِيَةِ دُونَ الْمُطَلَّقَةِ، وَالْعَيْنِ الَّتِي يَتَدَاعَاهَا اثْنَانِ فَيُقِرُّ بِهَا ذُو الْيَدِ لِأَحَدِهِمَا.

فَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَعَامَّةِ السَّلَفِ: إعْطَاءُ هَذِهِ الْأَمْوَالِ لِأَوْلَى النَّاسِ بِهَا.

وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تُحْفَظُ مُطْلَقًا وَلَا تُنْفَقُ بِحَالٍ، فَيَقُولُ فِيمَا جُهِلَ مَالِكُهُ مِنْ الْغُصُوبِ، وَالْعَوَارِيّ، وَالْوَدَائِعِ أَنَّهَا تُحْفَظُ حَتَّى يَظْهَرَ أَصْحَابُهَا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ، وَيَقُولُ فِي الْعَيْنِ الَّتِي عُرِّفَتْ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ يُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحَا.

وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا جُهِلَ مَالِكُهُ أَنَّهُ يُصْرَفُ عَنْ أَصْحَابِهِ فِي

<<  <  ج: ص:  >  >>