للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فلا تكونن ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجَمع على الهدى جميع خلقه بلطفه، (١) وأنَّ من يكفر به من خلقه إنما يكفر به لسابق علم الله فيه، ونافذ قضائه بأنه كائنٌ من الكافرين به اختيارًا لا إضطرارًا، فإنك إذا علمت صحة ذلك، لم يكبر عليك إعراضُ من أعرض من المشركين عما تدعُوه إليه من الحق، وتكذيبُ من كذَّبك منهم.

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

١٣٢٠٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يقول الله سبحانه: لو شئتُ لجمعتهم على الهدى أجمعين.

* * *

قال أبو جعفر: وفي هذا الخبر من الله تعالى ذكره، الدلالةُ الواضحة على خطإ ما قال أهل التَّفْويض من القدريّة، (٢) المنكرون أن يكون عند الله لطائف لمن شاءَ توفيقه من خلقه، يلطفُ بها له حتى يهتدِيَ للحقّ، فينقاد له، وينيبَ إلى الرشاد فيذعن به ويؤثره على الضلال والكفر بالله. وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه لو شاءَ الهداية لجميع من كفر به، حتى يجتمعوا على الهدى، فعلَ. ولا شك أنه لو فعل ذلك بهم، كانوا مهتدين لا ضلالا. وهم لو كانوا مهتدين، كان لا شك أنّ كونهم مهتدين كان خيرًا لهم. وفي تركه تعالى ذكره أن يجمعهم على الهدى، تركٌ منه أن يفعل بهم في دينهم بعض ما هو خيرٌ لهم فيه، مما هو قادر على فعله بهم، وقد


(١) انظر تفسير"الجاهل" فيما سلف ٢: ١٨٢، وتفسير"جهالة" ٨: ٨٨ - ٩٢.
(٢) "أهل التفويض": هم الذين يقولون: إن الأمر فوض إلى الإنسان، فإرادته كافية في إيجاد فعله، طاعة كان أو معصية، وهو خالق لأفعاله، والاختيار بيده. انظر ما سلف ١: ١٦٢، تعليق: ١.
وأما "القدرية"، و"أهل القدر"، فهم الذين ينفون القدر. وأما الذين يثبتون القدر، وهم أهل الحق، فهم: "أهل الإثبات". وانظر ما سلف ١: ١٦٢، تعليق: ١.

<<  <  ج: ص:  >  >>