للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ببيانه، وهم فيه درجات عند الله على منازلهم من العلم والإيمان والبيان.

ولا ترى مسألةً واحدةً عُورض بها الرَّسول إلَّا وقد ردَّها أنصاره وحزبه، وبيَّنوا فسادها، وسخافة عقل أربابها المعارضين بها في كل نوعٍ من أنواع العلم. وقد أجرى الله سُنته وعادته أن يكشف عن عورة المعارِض ويفضحه ويخذله في عقله حتى يقول ما يَضحَك منه الإنسان، كما خذل المعارض بكلامه حتى أضحك عليه النَّاس فيما عارضه به.

وهذا من تمام أدلة النبوة وبراهين صحة الوحي: أن تجد المعارض له يأتي بما يضحك منه العقلاء! فلعل قائلًا يقول: ما جاءت به الرُّسل قد يكون له معارضٌ صحيحٌ، فإذا وقفَ (١) على المعارض وسخفه وتحقَّق بطلانه زاده قوة في إيمانه ويقينه. وصار ذلك بمثابة رجلٍ ادَّعى أن معه طِيبًا ليس مع أحدٍ مثله ولا مثل ريحه، فعارضه آخر بأن معه مثله أو أفضل (٢) منه، فلمَّا أخرجه إذا هو أنتن شيءٍ وأخبثه ريحًا. ولكن هناك عقول جُعلية (٣) نشأت في النتن والحشوش فلا تَألَف غير ما نشأت فيه!

الوجه الحادي والخمسون: أن الأمور السمعية التي يُقال: إن العقل عارضها ـ كإثبات علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه، وتكلُّمه، ورؤية العباد له في الآخرة، وإثبات الصِّفات له ـ هي ممَّا (٤) عُلم بالاضطرار أن


(١) «ح»: «وقفت».
(٢) «ح»: «فضل».
(٣) نسبة للجُعل، وهو حيوان معروف كالخنفساء. «النهاية في غريب الحديث» (١/ ٢٧٧).
(٤) «ح»: «ما». والمثبت من «م».