للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[خروج ثلاثمائة صحابي للجهاد وزادهم جراب تمر]

من الأحاديث الجميلة حديث طويل يرويه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، كما في صحيح مسلم، يقول جابر رضي الله عنه: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة رضي الله عنه، نتلقى عيراً لقريش).

أي: أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم يتلقون قافلة لقريش، وهذه السرية اسمها: سرية سيف البحر، وكان عليهم أبو عبيدة أمين هذه الأمة رضي الله تبارك وتعالى عنه أميراً، وهؤلاء كانوا حوالي ثلاثمائة رجل.

قال جابر رضي الله عنه: (وزودنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره)، فهنا جيش تعداده ثلاثمائة رجل خرجوا لقتال، والزاد المعد للجيش جراب فيه تمر، زودهم به النبي صلى الله عليه وسلم، والجراب: هو الزنبيل، أو القفة، فيا ترى كم يكفي هذا الجراب؟! ثم يقول (فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة)، أي: في هذا الجيش يعطي العساكر تمرة تمرة؛ ليجاهدوا في سبيل الله بتمرة يأكلونها في اليوم، فقال الراوي عن جابر رضي الله عنه لـ جابر: (كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل).

سبحان الله! فهذا الجيش المجاهد في سبيل الله سبحانه، يأكل الواحد منهم تمرة في اليوم، ومع ذلك لم يتسخطوا ولم يقولوا: نحن نجاهد في سبيل الله، فلا يكفي لنا طعام كهذا، بل صبروا على ذلك، فيأخذون التمرة يمصونها مصاً ولا يأكلونها؛ لئلا تنتهي.

قال: (وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء فنأكله).

يعملون هذا حتى يطيقوا المشي، فإذا رأوا شجراً في الطريق فيه ورق يضربونه بالعصي، فتنزل الأوراق ناشفةً في الصحراء، ثم يأخذها الرجل منهم، ويبلها بالماء ويأكلها.

قال: (وانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم)، فهم ما وصلوا إلى ساحل البحر إلا بعد فترة من المعاناة والتعب والجوع؛ فرأوا شيئاً مثل الجبل أمامهم.

قال: (فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر، فقال: أبو عبيدة: ميتة؟!)، والعنبر: حوت من حيتان البحر، وهذا الحوت من أعظم الحيتان، كأنه بيت يتكون من عشرة طوابق، وهذا الحوت لا يوجد في البحر، بل في أعماق المحيط، وإذا أراد الناس أخذه، فلا بد من سفن مجهزة بقنابل وبمدافع فيها أجهزة، ليعرفوا مكان هذا الحوت، ثم ينتظروا حتى يفتح فمه فيرموا فيه سهاماً أو نحوها، أو يرموا داخل فمه قنبلة ليموت هذا الحوت، فصيده صعب وليس بالسهل، فلو ضرب المركب بذيله لقلب السفينة العظيمة، ولو صاده أصحاب السفينة مرة واحدة فسيكون سبباً في غنائهم عمرهم كله.

فهؤلاء جاء إليهم هذا الحوت من المحيط، ما ذهبوا ليصطادوه، بل الله سبحانه وتعالى رفعه مكافأة لهم؛ لأنهم صبروا على تمرة تمرة في اليوم وأكلوا ورق الشجر، فالله هو الرزاق الكريم، ولا يضيع أجر من أحسن عملاً، فهم لما صبروا شكر الله عز وجل صبرهم، وأعطاهم الأجر في الدنيا، غير ما ادخره لهم في الآخرة سبحانه.

فـ أبو عبيدة رأى هذا الحوت، ولم يبلغه حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن البحر الذي فيه: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، فاجتهد رضي الله عنه، وقال: (ميتة؟) أي: كيف سنأكل ميتة؟ ثم قال رضي الله عنه: (لا، بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا).

واجتهاده رضي الله تبارك وتعالى عنه وافق الصواب، وإن كان الحوت بهذه الصورة حلالاً للمضطر ولغيره، ولكنه هو اجتهد فقال: إننا مضطرون فنأكل من هذا الحوت.

قال: (فأقمنا عليه شهراً)، يعني قعد ثلاثمائة من الصحابة الكرام الأفاضل رضي الله عنه يأكلون منه شهراً كاملاً.

قال: (ونحن ثلاثمائة، حتى سمنا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه الدهن بالقلال)، الوقب: هو ثقب العين، أو محجر العين أو مكانها، فكانوا يغرفون الدهن بالقدور من عين هذا الحوت.

ثم قال: (ونقطع منه الفدر كالثور أو كقدر الثور)، أي: نقطع منه كل قطعة بقدر العجل الضخم، أو كالثور.

ثم قال: (ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً فأقعدهم في وقب عينه)، أي: أنه أقعدهم في وقب نقرة عين الحوت، أو ثقب عينه، فيا ترى كم كان حجم العين؟ أما الجسم فسيكون جثة ضخمة جداً.

يقول رضي الله عنه: (وأخذ ضلعاً من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها)، يعني: جاء بأعظم جمل عنده ليمر من تحت الضلع، فمر من تحته، وهذا شيء عظيم جداً.

قال رضي الله عنه: (وتزودنا من لحمه وشائق) أي: قطعاً أخذوها زاداً للطريق وهم راجعون إلى المدينة.

قال جابر: (فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله).

فهنا صلى الله عليه وسلم قال: أعطونا منه، أي: هو حلال، فأنتم قلتم: كنا مضطرين، لكنه صلى الله عليه وسلم لو قال: هو حلال، فربما يقولون في أنفسهم: عظم حالنا على النبي صلى الله عليه وسلم فرخص لنا في هذا الشيء لأجل الضرورة التي كنا فيها، ولكن كونه صلى الله عليه وسلم يأكل منه فهذا دليل على أنه حلال، سواء للإنسان المضطر أو لغيره وقد جاء في الحديث: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته).