للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أقول: إننا بحثنا في هذه المسألة بحثا دقيقا فظهر لنا فيها عكس ما ادعاه المختار أي أن العوارض الجوية في أصقاع حلب كانت حارة ثم أخذت تتحول إلى البرد. ومن ثمة اضطررنا أن ننتقد أدلة المختار التي نقلها في هذه المسألة عن أشياخ أهل حلب، فنقول إن عدم نبت شجر الأترجّ في حلب في هاتيك الأيام لا لشدة برد حلب بل لأن هذه الفصيلة من الشجر كانت قبل سنة ٣٠٠ غير موجودة ولا معروفة في حلب وجميع بلاد سوريا والعراق ومصر وغيرها من الممالك الكائنة في المناطق المعتدلة. قال المسعودي في كتابه مروج الذهب ما خلاصته: إن هذه الشجرة يعني شجرة الأترجّ لم تكن موجودة في البلاد قبل الثلاثمائة، وإنما حملت من أرض الهند إلى غيرها بعد هذا التاريخ، فزرعت في عمان، ثم نقلت إلى البصرة والعراق والشام، حتى كثرت في دور الناس في طرسوس وغيرها من الثغور الشامية وأنطاكية وسواحل الشام وفلسطين ومصر، وما كانت تعهد ولا تعرف إلخ. وهناك دليل آخر على أن عدم نبت هذه الشجرة في ذلك التاريخ لعدم وجودها لا لشدة البرد، هو أنه كان يوجد في حلب شجر النخيل الذي هو أقل تحملا للبرد من شجر الأترج، كما يأتي بيانه قريبا. وأما عدم استطاعة السكنى في الطبقة السفلى من بيوت حلب فهو دليل قد يؤيد عكس المدعي به إذ البلاد الباردة كالأناضول، يفضل أهلها السكنى في أيام الشتاء في الطبقة السفلى على العليا، لأنها أقل تعرضا للبرد من العليا. نعم قد يكون عدم استطاعة سكنى أهل حلب في الطبقة السفلى لكثرة رطوبات البلدة في ذلك التاريخ، لعدم انتظام مجاري قاذوراتها وامتلاء خنادقها من المياه تحصينا لها مع ضيق أزقتها وكثرة أهلها المحصورين داخل سورها الذي كان يقدر بنحو النصف من مساحته الآن. ولهذا كانت الأوبئة والطواعين لا تكاد تفارق حلب. وأما عدم وجود الباذهنجات «١» فيها أولا ثم وجودها أخيرا فإن المفهوم من هذا أن البرد بينما كان في مدينة حلب شديدا، إذ تحول بغتة إلى الحرّ، ومسّت الحاجة إلى عمل الباذهنجات، وهذا مما لا يتصوره عاقل إذ أن سير التحول الجوي بطيء جدا لا يدرك حصوله بأقل من ألف سنة وأكثر، فالأولى أن يحمل تسرّع أهل حلب إلى عمل الباذهنجات على التفنن وتحسين المباني والاقتداء ببغداد عاصمة الممالك الإسلامية في الشرق بعمل الباذهنجات تلطيفا للجوّ، وتخفيفا للرطوبات.

<<  <  ج: ص:  >  >>