للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[واجب الأمة تجاه فتن الفضائيات]

لقد كثرت الفتن في عصرنا هذا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أم سلمة: (سبحان الله ماذا أنزل الله الليلة من الفتن)! فكأنه عليه الصلاة والسلام ربط الفتن بالسماء, وعصرنا هذا قد ذاعت فيه القنوات الفضائية وشاعت, وهي في أكثر ما تمليه وغالب ما تعطيه، تصرف شباب الأمة وفتياتها عن طاعة الله جل وعلا, في تحد لا يسع أحداً يدعو إلى الله جل وعلا أن يسكت عنه, وإن مسئولية ما تمليه تلك القنوات يقع على الأمة بأسرها, فيقع على سائر الحكام والسلاطين من غير استثناء، ويقع على العلماء والدعاة, ويقع على أهل الثراء, ويقع على العامة.

أما وقوعه على السلاطين والحكام: فإنه ينبغي أن يكون هناك قرار سياسي على مستوى الأمة يمنع ما تمليه تلك الفضائيات.

وأما على مستوى العلماء: فإنه ينبغي على العلماء أن يبينوا ليلاً ونهاراً خطر ما تبثه تلك القنوات من إشاعة الفاحشة بين المؤمنين.

وأما على مستوى أهل الثراء: فإن كثيراً من تلك القنوات إنما تقوم على الزخم المادي الذي يعود إليها من خلال الإعلانات.

وأما ما يقع على العامة: فإن المسئولية يوم القيامة مسئولية فردية, والله جل وعلا سيسأل كل أحد عن تقصيره وفعله وسمعه وبصره وفؤاده.

وقد كتب قبل أيام في إحدى الصحف: أن إحدى القنوات -عياذاً بالله- في يوم الحج الأكبر -يوم العيد- عرضت فلماً يصور مشهد اغتصاب لممثلة قد أفضت إلى ربها، فالقائمون على تلك القنوات، والمنتجون لتلك الأفلام لم تسلم منهم امرأة تائبة ولا امرأة ميتة ولا امرأة معتزلة لكبر سنها.

فما أن ينطق أحد بالعورات ويجهر بالفحشاء إلا ويتلقفونه في تسابق مذموم، يريدون أن يصرفوا همم شباب الأمة وشاباتها عن صراط الله المستقيم، وإيضاح هذا الأمر للناس أمر قرآني بحت، قال الله جل وعلا: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام:٥٥].

لكني أكرر ما قلت في الأول: إن الخطاب في محاضرتي هذه لنخبة من المجتمع، وإن علينا أن نعرف كيف ننقذ بناتنا وأبنائنا من شر تلك الفتنة.

إن الغريق يحتاج إلى طرف الحبل, ومن الحماقة أن يرمى للغريق بالحبل كله؛ لأنك إذا رميت للغريق بالحبل كله صار طرفاه بيده فيبقى غريقاً كما هو, لكن ضع طرفاً بيده وطرفاً بيدك! فيكون التعامل مع الشباب والشابات من غير أن نقطع الطريق معهم, ولا نطلب منهم أن يكونوا حالاً واحدة نقبلها أو حالة أخرى نرفضها، ولكن لا نيأس بل نبقي على خطوط الاتصال الدعوي معهم، ونبعدهم عن الرذيلة شيئاً فشيئاً، ونعنى بالإيمانيات أكثر من الفقهيات, ونضع لهم بدائل حتى ننتشلهم من أوحال الرذيلة.

وتطالب الدولة -وفقها الله- وأهل الثراء من أهل القطاع الخاص بتوفير فرص عمل لهم حتى يكون وقت الفراغ بالنسبة إليهم قليلاً, كل ما يمكن صنيعه لهم أمر نتحمل جميعاً مسئوليته حتى نبقي على عفاف بناتنا وعلى حياء أبنائنا, فإذا بقي لبناتنا حياؤهن وعفافهن ولأبنائنا تمسكهم بدين الله جل وعلا حُفِظَت الأمة في أعز ما تملك، وهم شبابها وشاباتها التي تؤمل منهم الأمة أعظم مما يدخره أولئك الفجرة لهم.