للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[ذكر عظم الله وكمال قدرته في السورة]

فلما أراهم الله عاقبة أعمالهم وكان الله بعباده غفوراً رحيماً، عرفهم الله جل وعلا بنفسه، وبين لهم جل وعلا أن مقاليد كل شيء بيديه، وأن الخلق خلقه والرزق بيده؛ حتى تنكسر قلوبهم وتذرف عيونهم وتقشعر جلودهم، فقال بعدها جل وعلا: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف:٥٤] كلمة رب تشعر الإنسان أنه في حفظ أحد عظيم، ولا أحد يحفظ ويكلأ مثل الله، فكلمة رب في معناها وفيما تضيفه على سامعها غير كلمة إله، فكلمة إله تضفي على السامع أنه يجب أن يعبد، أما كلمة رب فتضيف على السامع أنه في حفظ وكلأ، ولهذا قال الله جل وعلا لموسى: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} [طه:١٢] حتى يشعره بالأمن والطمأنينة، ثم بعد أن أعطاه الرسالة قال له: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه:١٤]، فطالبه بالعبودية بعد أن قال له: ((إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ) وهنا يقول الله: ((إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ))، وهو قادر جل شأنه على أن يخلقها في أقل من ذلك لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولكن قال العلماء: أراد الله جل وعلا أن يبين ويعلم عباده التؤدة والسكينة في الأمر: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف:٥٤]، العرش سقف المخلوقات، وهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، والملائكة الذين يحملونه إما ثمانية صفوف وإما ثمانية أفراد، قال الله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة:١٧]، واستواء الله جل وعلا على عرشه نثبته من غير بيان كيفيته، فالاستواء معلوم والكيف مجهول، لكن نقول كما قال الأخيار من قبلنا: استواء يليق بجلاله وعظمته، لكن يجب أن يستصحب ذلك أن تعلم أن ربك غني عن العرش وغني عن حملة العرش، بل إن العرش ومن يحمله من الملائكة ومن يطوف حوله وسائر الخلق كلهم فقراء إليه جل وعلا.

{يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} [الأعراف:٥٤] يقول العلماء: إن الله خلق الليل قبل النهار، قال سبحانه: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} [يس:٣٧]، ومعنى: ((يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ) أي: يغطيه بظلامه.

ثم قال جل وعلا: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} [الأعراف:٥٤] وهذه الأشياء خلق من خلقه، يقول صلى الله عليه وسلم لـ أبي ذر وقد نظر إلى الشمس: (أتدري أين تذهب؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تأتي عند العرش فتسجد، ثم تستأذن ربها فيأذن لها، حتى يأتي يوم فتستأذن فلا يؤذن لها، فتطلع على الناس من المغرب، هنالك تؤمن كل نفس لم تكن آمنت من قبل)، كما قال الله جل وعلا: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام:١٥٨].

فربنا هنا يقول: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:٥٤] ففرق الله ما بين الخلق والأمر، وهذه أحد أدلة أهل السنة على أن القرآن منزل غير مخلوق، ففرق الله جل وعلا ما بين خلقه وبين أمره، فبعض الأشياء خلقها الله خلقاً، وبعض الأشياء كانت أمراً، والقرآن من أمره جل وعلا؛ لأنه كلامه تبارك وتعالى وصفة من صفاته، كما أن ذات الله لا يشبهها شيء، فكذلك صفات الله لا يشبهها شيء، قال الله جل وعلا: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:٥٤] أي: تقدس وتعاظم وتعالى، واللفظ (تبارك) لا يخاطب به أحد غير الله، لا يقال لغير الله: تبارك، كائناً من كان، فلا تقال لمحمد عليه الصلاة والسلام ولا لجبريل ولا لإخوانه من النبيين، ولا لإخوان جبريل من الملائكة عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام.

والقرآن منزل من عند الله لا يمكن أن يرقى أحد إلى أسلوبه وبيانه، فلما عرَّف الله بذاته العلية دعا الله جل وعلا عباده إلى أن يدعوه.

قال الله جل وعلا: {تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * ادْعُوا رَبَّكُمْ} [الأعراف:٥٤ - ٥٥] أي: ربكم الذي عرفكم بنفسه قبل قليل: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف:٥٥]، فأما قوله جل وعلا: ((تَضَرُّعًا))، هذا حال من قلب الداعي؛ أن يدعو الإنسان يدعو وهو منكسر ذو وجل، وهو يرغب من الله جل وعلا أن يجيبه، ويطمع في رحمة ربه، يعرف أن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن مقاليد كل شيء بيديه، ويقول جل وعلا: ((ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً))، وهذا حال الداعي، وكلما كان الداعي يدعو في مكان مستتر كما دعا زكريا عليه الصلاة والسلام في مكان خلي بقلب نقي وصوت خفي: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} [مريم:٣]، كان أجدر في أن يجيبه الله.

{إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:٥٥] ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل العبدُ الله شيئاً أخبر الله أنه لا يكون، فمثلاً الله جل وعلا أخبر أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، فلا يأتي أحد يطلب من الله النبوة، مع أننا نعلم جميعاً أن الله قادر على أن يجعلنا أنبياء، لكن الله جل وعلا ختم النبوات برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن الاعتداء في الدعاء أن يطلب الإنسان هذا وأمثاله، ((إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)).