للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[تفسير قوله تعالى: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين إلى قوله: (وثلة من الآخرين)]

ثم أردف جل وعلا في ذكر أصحاب اليمين فقال: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الواقعة:٢٧ - ٣٠] وهي آيات ظاهرات المعنى، فالسدر في جنات النعيم لا شوك فيه، والطلح المنضود هو: شجر الموز، وذكر الله جل وعلا بعض النعم التي ينعم بها جل شأنه على أهل طاعته من أهل اليمين إلى أن قال الله جل وعلا: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} [الواقعة:٣٤] ثم قال: {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة:٣٥ - ٣٨] لا خلاف بين العلماء أن قول الرب جل شأنه: {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً} [الواقعة:٣٥]، عائد على النساء، لكن

السؤال

هل هذا المذكور يعود إلى شي قد ذكر من قبل أو لم يذكر؟ على قولين لأهل العلم: من حمل قول الله جل وعلا: {وَفُرُشٍ} أنها بمعنى: النساء، أصبح المعنى عنده: أن قول الله جل وعلا: {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ} [الواقعة:٣٥] يعود على النساء المذكورين في قوله جل شأنه: {وَفُرُشٍ} فيصبح معنى قوله تعالى: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} [الواقعة:٣٤]، أي: مرفوعة قدرًا، مرفوعة مكانةً، مرفوعة منزلةً، على أن الفرش هنا بمعنى: النساء، وهذا معروف في لغة العرب وسنن كلامها.

وقال آخرون: إنه لا يعود إلى مذكور، لكن القرائن والمقام يدل عليه، فإن الفرش إنما توضع ليتفكه بها المرء مع زوجته، ويتكئ عليها معها، فقول الله جل وعلا: {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً} [الواقعة:٣٥] قالوا: لا يعود إلى مذكور، لكن هناك قرينة تدل على أنه يعود على النساء، وهو قول الله جل وعلا: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} [الواقعة:٣٤]، لأن الفراش يطلق على فراش الزوجية في الغالب.

ثم قال جل وعلا: {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ} [الواقعة:٣٥ - ٣٦] والأصل أن الفعل (جعل) هنا بمعنى: صيّر، فإذا قلنا: إنه بمعنى صيّر خلافاً للمعتزلة {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا} [الواقعة:٣٦] فلا يمكن أن يُطلق على الحور العين المخلوقات في الجنة؛ لأن المرأة على أصل خلقتها تكون بكراً، فلا يصح معنى: أن يقول الله جل وعلا فصيّرناهن أبكاراً، وهن أصلاً أبكار، لكن قول الله جل وعلا: {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا} [الواقعة:٣٦]، يعود على النساء المؤمنات اللواتي دخلن الجنة وهن ثيبات، فقول الله جل وعلا: {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا} [الواقعة:٣٦] أي: صيّرناهن ونقلناهن من حالة كون إحداهن ثيباً إلى كونها بكراً.

ثم قال عز وجل: {عُرُبًا أَتْرَابًا} [الواقعة:٣٧]، فعرباً أي: محببات إلى أزواجهن، وأتراباً: جمع ترب، والمعنى: أنهن نداد في الأسنان، يعني: كلهن على سن واحدة.

قال جمهور العلماء ويؤيده بعض الآثار: إن المعنى أنهن في سن ثلاث وثلاثين والعلم عند الله، وهذا المعنى القرآني هو الذي سلّه جرير في قوله: أتصحو أم فؤادك غير صاح عشية هم صحبك بالرواح تقول العاذلات علاك شيب أهذا الشيب يمنعني مراحي؟ يكلفني فؤادي مَن هواه ظعائن يجتزعن على رماح عراباً لم يدن مع النصارى ولم يأكلن من سمك القراح فقول الله جل وعلا: {عُرُبًا أَتْرَابًا} [الواقعة:٣٧]، هذا وصف لما أعده الله جل وعلا لأهل طاعته، والنبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق دخل على إحدى عشر امرأة، لم يكن منهن بكر إلا عائشة، والباقيات رضوان الله تعالى عليهن كانت كل واحدة منهن ثيباً، ومات صلى الله عليه وسلم عن تسع، فقد ماتت اثنتان من زوجاته صلى الله عليه وسلم في حياته: خديجة بنت خويلد ولم يكن قد تزوج عليها امرأة، وزينب الهلالية رضي الله عنها وأرضاها ماتت بعد زواج النبي صلى الله عليه وسلم منها بثمانية أشهر، فبقين هؤلاء التسع هن اللواتي نزلت في حقهن آية التخيير، وهن اللائي مات النبي صلى الله عليه وسلم عنهن، وآية التخيير ذكرها الله جل وعلا في سورة الأحزاب فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب:٢٨ - ٢٩]، فبدأ صلى الله عليه وسلم بـ عائشة وكانت أحب نسائه إليه وقال: (يا عائشة! إنني سأخبرك بأمر فلا تستعجلي حتى تستأمري أبويكي) فقالت: يا رسول الله! أفيك أستأمر أبوي؟ ثم تلا عليها صلى الله عليه وسلم آية التخيير، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، لكنها طمعاً في أن تنفرد به صلوات الله وسلامه عليه، ولا تثريب عليها قالت: لا تخبر أحداً من زوجاتك بما أجبتك به، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله بعثني معلماً ميسراً، ولم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، لا تسألني إحداهن عن جوابكِ إلا أخبرتها)، فأخبرهن صلى الله عليه وسلم واخترن جميعاً رضوان الله تعالى عليهن النبي صلى الله عليه وسلم والله من قبل والدار الآخرة كما جاء نص القرآن، وهؤلاء التسع منهن خمس قرشيات، وأربع غير قرشيات تزوجهن النبي صلى الله عليه وسلم، من أشهرهن عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وجويرية بنت الحارث وهذه من بني المصطلق ليست من قريش، وصفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير من ذرية هارون بن عمران عليه الصلاة والسلام، وغيرهن كـ أم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة رضوان الله تعالى عليهن أجمعين.