للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الحكم الأول: قوله صلى الله عليه وسلم (خذوا عنَي) تأكيدًا وتنبيهاً، فإنه ما بعث إلَّا ليؤخذ عنهُ وقد كان سبق الأخذ عنه، فتأكد بهذا القول، ونبَهَ على قدر الحكم.

الحكم الثاني: قوله: (جلد مائة). يحتمل أن يكونَ قاله ثم نزلت الآية بَعده في الجلدِ، ويحتمل أن يكون قاله بعد نزولِ الآية تأكيدًا وبياناً للحكمِ.

الحكم الثالث: وهو التغريب وقد اختلفَ العلماء فيه فأسقطه أبو حنيفة لأنه زيادة على القرآن بخبرِ الواحد، والزيادة على النص نسخ ونسخ القرآن لا يجوز إلَّا بقرآنٍ مثله أو بخبرٍ متواتر وقد مهدنا في الأصول بطلان ذلك كله (١) وأشرنا إليه فيما سبق من هذا الإملاء وقال الشافعي يغرب كل زانٍ بكرًا عملاً بعموم هذا الحديث (٢)، وخصَّصه مالك في المرأةِ والعبد. أما المرأة فإن تغريبها معرض لها للوقوع في مثل ما جلدت عليه، وإنما تحفظ المرأة بالحجاب، حيث تغرب. وخذوا نكتةً بديعةً في أُصولِ الفقهِ لم تذكر فيها، نبه عليها إمام الحرمين في كتاب العموم فقال إن العموم إذا ورد وقلنا باستعمالِه أو قام دليل على وجوب القولِ به، فإنما يتناول الغالب دون الشاد النادر الذي لا يخطر ببال القائل، وصدق فإن العموم إنما يكون عمومًا بالقصد المقارن للقول فما قطع على أنَّ القائل لم يقصده لا يتناوله القول وعلى هذا لا يتناول الحكم في العموم ما يعترض عليه بالإبطال ولو أدخلنا المرأة في التغريب لاعترض بالإبطال على التخصيص الذي لأجله شرع الجلد وكذلك العبد لم ير مالك تغريبه لأجلِ أنه لم يدخل تحت العموم كما قلنا في المرأة، ولكن عارضه حق السيد فقدم على حقِّ الله لفقر السيد والله هو الغنيُّ الحميدُ فإن قيل: فلِم لم يسقط الحد مراعاة لحق السيد. قلنا: الحد هو الأصل والتغريب تبع فلأجل ذلك أقمنا الأصل الذي لا يقطع بالسيد في حقهِ وتركنا التبع الذي يعترض عليه بالإبطال.

الحكم الرابع: قال أحمد بن حنبل (٣) يجلد الثيبُ ثم يرجم لحديث عبادة وحديث شراحة المتقدمين. قلنا: هذا الحديث الوارد عن عبادة منسوخ قطعاً بمثلهِ في الوُرود بحديث ماعز والغامدية والعسيف فإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يتعرض للجلد في واحدٍ منهما وقد كانَ


(١) انظر المحصول للشارح ص ٣٩٤ رسالة ماجستير بالجامعة الإِسلامية.
(٢) قال النووي فيه حجة للشافعي والجماهير أنه يجب نفيه سنة رجلاً كان أو امرأة. وحجة الشافعي قوله - صلى الله عليه وسلم - (البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة) شرح النووي على مسلم ١١/ ١٨٩.
(٣) قال ابن هبيرة وعن أحمد روايتان إحداهما يجمع بينهما وهي أظهر روايتيه اختارها الخرقي والأخرى لا يجمع بينهما كمذهب الجماعة واختاره ابن حامد الإفصاح ٢/ ٢٣٤.

<<  <   >  >>