للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

استعارة بالأخبار عن التهمم عن أن يقول القائل أخذها الملك بيده مني وأعطانيه بيدهِ وذلك أشرف من أن يأمر به، فتناول ذلك نائبه عنه (١)، وقد قال مالك رضي الله عنه: أرى أن يؤدب هؤلاء الذين يَروونَ هذه الأحاديث المشكلة وأي إشكالٍ أعظم من نسبة الكف إلى الله تعالى، الذي رَوَاه هو، ولله تعالى اليد العليا واليمنَى، وكلا يديه يَمينُ، وله الإصبعُ وله الكف، وكل واحد منهما عبارة عَن القدرة، وتعلقها بالمقدورات، فاليد عبارة عن القدرة جملة بجملة، واليَمين، عبارة عن الشرفِ أو فضل قوةٍ في التصريف، والكفّ عبارة عن تمهيدِ محل القبول أو بسط القابض كفه ليأخذ بها ما يعطى، والأصبع كناية عن التصرف في الأمور الخفيةِ بارتباط العلم بالقدرة، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: (قلبُ المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن) (٢) أو عبارة عن تحقير الأشياء العظيمة، بالإضافةِ إلى أقل متعلقات القدرة، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: (يضعُ الله السموات على أصبع والأرضين على أصبع) (٣).

الحديث الثاني: شرف الأجر كقوله - صلى الله عليه وسلم - (بخ (٤) ذلك مالٌ رابح ورايح) (٥)،


(١) سيأتي الرد على هذا التأويل وغيره من التأويلات المخالفة لمذهب السلف.
(٢) روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص إنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء) ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اللهم مصرف القلوب صوف قلوبنا على طاعتك) حديث (٢٦٥٤).
(٣) متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب كلام الرب عزّ وجلّ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم ٩/ ١٨١، ومسلم في كتاب صفات المنافقين كتاب صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٨٦) من حديث عبد الله بن مسعود قال: جاء حبر من اليهود فقال: (إنه إذا كان يوم القيامة جعل الله السموات على إصبع والأراضين على إصبع والماء والثرى على إصبع والخلائق على إصبع ثم يهزهن ثم يقول أنا المالك أنا الملك ...) لفظ البخاري. أقول: لقد ذكرنا أكثر من مرة أن منهج القاضي ابن العربي رحمه الله في الصفات منهج أشعري قائم على التأويل وهو يتعارض مع مذهب السلف الذي يتمثل في الإيمان بكل ماورد عن الله وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - على غرار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} فالمسلم الحق يمر هذه الصفات على ظاهرها معرضًا فيها عن التأويل مجتنبًا الشبيه معتقدًا أن الباري سبحانه وتعالى لا يشبه شيء من صفاتة صفات الخلق كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية مذهب سلف الأمة وأئمتها أن يصفوا الله وصف الله به نفسه ولا به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا يجوز نفي صفات الله التي وصف بها نفسه ولا تمثيلها بصفات المخلوقين. أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات ص ٧١، وانظر الشرح والإبانة ص ٢١٣، والتمهيد ٧/ ١٣٢، وشرح السنة ١/ ١٦٨، الفتح ١٧/ ٤١٣.
(٤) بخ بخ هي كلمة تقال عند المدح والرض بالشيء وتكررللمبالغة وهي مبنية على السكون وصلت جررت ونونت فقلت: بخ بخ وربما شددت وبخبخت الرجل إذا قلت له ذلك ومعناها تعظيم الأمر وتفخيمه. النهاية ١/ ١٠١.
(٥) مالك عن اسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة إنه سمع أنس بن مالك يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة =

<<  <   >  >>