للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[ذكر ما قيل في حقيقة النفس وحدوث الروح]

قال رحمه الله تعالى: [وقد اختلف في حقيقة النفس ما هي؟ وهل هي جزء من أجزاء البدن؟ أو عرض من أعراضه؟ أو جسم مساكن له مودع فيه؟ أو جوهر مجرد؟ وهل هي الروح أو غيرها؟ وهل الأمارة واللوامة والمطمئنة نفس واحدة أم هي ثلاثة أنفس؟ وهل تموت الروح أو الموت للبدن وحده؟ وهذه المسألة تحتمل مجلداً، ولكن أشير إلى الكلام عليها مختصراً إن شاء الله تعالى.

فقيل: الروح قديمة].

كلمة (قديمة) يعني بها أنها أزلية، وأنها ليست مخلوقة، فهنا عبر عن قول الفلاسفة، وأفراخ الفلاسفة، بمعنى أن الروح لا بداية لها، وعلى هذا ففهمها عندهم أنها تشبه الخالق عز وجل، أو أنها تأخذ صفات الخالق عز وجل من حيث إنه الأول الذي ليس قبله شيء.

والذين يقولون بهذا القول إيمانهم بالله عز وجل مضطرب، قد يعبرون عن الروح بأنها صفة من صفات الله عز وجل، فهي على هذا قديمة عندهم، أي: أزلية، أو يعبرون عن الروح بأنها قوة ونوع من الآلهة عندهم، والآلهة عندهم على حد سواء كلها أزلية، أو غير ذلك من التعبيرات، فالمهم أن هؤلاء ليسوا في قولهم على شيء، بل هم في أمر مريج.

فهؤلاء أعطوا الروح خصائص الربوبية التي لا تكون إلا لله عز وجل؛ لأنه ليس هناك شيء قديم أزلي ليس قبله شيء إلا الله عز وجل.

قال رحمه الله تعالى: [وقد أجمعت الرسل على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة، وهذا معلوم بالضرورة من دينهم أن العالم محدث، ومضى على هذا الصحابة والتابعون حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنة فزعم أنها قديمة، واحتج بأنها من أمر الله وأمره غير مخلوق، وبأن الله أضافها إليه بقوله: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء:٨٥]، وبقوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر:٢٩]، كما أضاف إليه علمه وقدرته وسمعه وبصره ويده].

الذين قالوا بأن الروح قديمة هم طائفة من الفلاسفة والإسماعيلية، وكثير من الفلاسفة الإسلاميين يقولون بهذا القول، يعني: الإسلاميين الذين يدعون الإسلام، ويسمون بأسماء إسلامية، وعاشوا بين المسلمين، وأغلبهم من الباطنية كـ الفارابي وابن سينا وابن سبعين، فهؤلاء يقولون بقدم الروح ويلحقونها بصفات الله عز وجل، والروح خلق من خلق الله عز وجل، وهي أمر من أمره، بمعنى أنها من شأنه سبحانه، فهو يقدرها ويخلقها، هذا معنى كونها من أمر الله، {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء:٨٥] وليس المعنى: من أمره الشرعي الذي هو الطلب، إنما من أمره يعني: من شأنه سبحانه، أي: من تقديره وخلقه.