للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[بيان الغزالي أن علم الكلام عديم النفع طريق إلى الضلال]

قال رحمه الله تعالى: [قال: وأما منفعته؛ فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات؛ فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف.

قال: وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا].

وبهذا تعلم أن عدداً كبيراً ممن تلوثوا بشيء من علم الكلام في حياتهم بقيت هذه اللوثة في عباراتهم وفي أحكامهم، فـ الغزالي رحمه الله مع أنه رجع عن علم الكلام والفلسفة والتصوف، وسلم بمذهب السلف في آخر حياته، إلا أنه بقيت عند هذه اللوثة.

ويلحظ هنا الاضطراب في هذه العبارات، فهو حينما قال: (وأما منفعته)، يظن أنه سيأتي بمنفعة لعلم الكلام، ولم يأت بمنفعة، بل رد هذه المنفعة وأبطلها.

ثم إنه ذكرها بصيغة التمريض، أو صيغة التضعيف، فقال: (فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها)، وهذا مما يدل على أنه جازم في قرارة نفسه بأنه ليس في علم الكلام منفعة، لكن نظراً لأنه قضى أكثر عمره في علم الكلام بقي عنده شيء من الاضطراب.

ثم إن قوله هنا: (وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي) من لمز المتكلمين لأهل السنة، وكنا نظن مثل الغزالي حينما تراجع عن قوله في الكلام، وسلم لمذهب السلف ألا يستعمل هذه العبارة التي يستعملها خصوم السلف.

فكلمة حشوي تطلق من قبل خصوم السلف على أهل الحديث أهل السنة والجماعة، ويقصد بها الذين أطلقوها أولاً أن أهل الحديث أهل حشو، ليسوا أهل تعمق ولا تفكير، إنما يهمهم حشو الآثار وحشو الحديث، وحشو الكلام! وهذا ظلم واعتداء وخلل في التصور، فأهل السنة أهل العلم وأهل الحديث ليس فيهم حشوي ليس عنده تعمق في العلم والمعرفة، بل هم أعمق الناس معرفة، لكنهم يتحاشون الفلسفات والمراء والجدل، فلذلك ظن خصومهم أن هذا ناتج عن قصور أو عن تقصير، أو عن غفلة، والأمر ليس كذلك، إنما هو عن تورع ووقوف عند أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.