للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الفرق بين تأويل الخبر بمعنى اعتقاد عينه وتأويله بمعنى وقوعه]

السؤال

ألا ترى أن النوع الأول من أنواع التأويل -وهو كون الخبر نفس المخبر عنه وعينه- يستوي في المعنى مع النوع الثالث، وهو تأويل الشيء بمعنى وقوعه؟

الجواب

بينهما فرق، فالأول يتعلق بالاعتقاد، والثالث يتعلق بالمعاني.

فالأول: يتعلق بأنه يجب على المسلم إذا جاء الخبر عن الله أن يعتقد حقيقته، ويكون هذا تأويله، فإذا جاء قول الله عز وجل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:٥]؛ فإن تأويله: الإيمان بأنه استواء حقيقي، هذا تأويله، ليس له أكثر من الاستواء.

أما النوع الثاني: فيرجع إلى المآل، يرجع إلى الأمور الخبرية التي تتعلق بالأحداث، كأحداث يوم القيامة، فتأويلها وقوعها إذا وقعت، فالأول يتعلق باعتقادنا الآن، أما الثالث فيتعلق بالمصير الذي سيكون عليه الخبر حين وقوعه، فتأويل اليوم الآخر على النوع الأول: الجزم بأن الله يقصد به حياة أخرى يكون فيها الحساب والجزاء والعمل إلى آخره، هذا يسمى تأويلاً.

وعلى النوع الثالث: يقصد بالتأويل: وقوعه إذا حدث، بمعنى: أن كل الناس حتى الكفار إذا حدث اليوم الآخر وقع لهم تأويله، فقوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ} [الأعراف:٥٣] يعني: هل ينتظرون إلا وقوع اليوم الآخر؟ وهذا يتبين بالمثال المضاد، فالمبطلون الذين أخطئوا في النوع الأول من التأويل قالوا في الاستواء: إنه الاستيلاء إلى آخر ذلك من المعاني.

فهذا التأويل خرج عن مفهوم السلف للتأويل؛ لأنهم يرون أن التأويل الإيمان بحقيقة اللفظ دون لجوء إلى المعاني الإضافية، أو إلى معان من باب اللوازم وتأكيدها على أنها هي المعنى، والانتقال من الحقيقة إليها، فالتأويل الذي يخرج عن مفهوم اللفظ وحقيقته لا يعد تأويلاً معتبراً عند السلف، إنما يعد تأويلاً مذموماً.

وكذلك النوع الثالث له مفهوم عند السلف ومفهوم عند المخالفين، فالسلف يفهمون من تأويل يوم القيامة وقوعه، وأنه سيقع، إضافة إلى أنهم يفهمون من تأويله الإيمان به.

لكن المبطلين يرون أن مفهوم اليوم الآخر حياة أخرى ليست حياة بعث، إنما هي حياة أخرى تتجدد بالروح في هذه الحياة الدنيا، وهو ما يسمونه بالتناسخ.

إذاً: أولوه بتأويل باطل، وزعموا أن اليوم الآخر حياة أخرى تنتقل فيها الروح من الجسد إلى جسد آخر في الحياة الدنيا، وليس في يوم القيامة، ولذلك زعموا أن أرواح الناس بحسب أعمالهم، فزعموا أن أرواح المؤمنين تكون الحياة الأخرى لها في حواصل طير أو حيوانات أليفة، وأن أرواح الكفار تكون في حشرات وغيرها، فهذا تأويل باطل لليوم الآخر؛ إذ ما عندهم قناعة بأنه سيقع يوم آخر يكون فيه جزاء وحساب، إنما أولوه تأويلاً باطلاً.