للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الاعتراض على الدليل العقلي على علو الله والرد عليه]

قال رحمه الله تعالى: [وقد اعترض على الدليل العقلي بإنكار بداهته؛ لأنه أنكره جمهور العقلاء، فلو كان بديهياً لما كان مختلفاً فيه بين العقلاء، بل هو قضية وهمية خيالية.

والجواب عن هذا الاعتراض مبسوط في موضعه، ولكن أشير إليه هنا إشارة مختصرة، وهو أن يقال: إن العقل إن قبل قولكم فهو لقولنا أقبل، وإن رد العقل قولنا فهو لقولكم أعظم رداً؛ فإن كان قولنا باطلاً في العقل فقولكم أبطل، وإن كان قولكم حقاً مقبولاً في العقل؛ فقولنا أولى أن يكون مقبولاً في العقل؛ فإن دعوى الضرورة مشتركة.

فإنا نقول: نعلم بالضرورة بطلان قولكم، وأنتم تقولون كذلك، فإذا قلتم: تلك الضرورة التي تحكم ببطلان قولنا هي من حكم الوهم لا من حكم العقل؛ قابلناكم بنظير قولكم، وعامة فطر الناس -ليسوا منكم ولا منا- يوافقونا على هذا].

هذا ما أشرت إليه سابقاً، وهو أن عامة الناس الذين هم على الاستقامة في الأصل ولم تدخلهم الفلسفات هم الذين يعتد بفطرهم السليمة، وقد لا يدركون الأمور العقلية العميقة، لكن هذه ليست محل خلاف، فأغلب الخلاف في الأمور البدهية، والأمور التي يتعمق فيها الفلاسفة ناتجة عن الخلاف في البدهيات.

فأغلب الأمور التي تفلسف فيها المتفلسفون وتكلم فيها المتكلمون، ودوخوا فيها أنفسهم ودوخوا فيها المسلمين راجعة إلى البدهيات، فإذا أسقطنا أصولهم بالبدهيات سقطت جميع الفرعيات التي فرعوا عنها.

فمثلاً: كثير من الأمور التي أولوا فيها الصفات راجعة إلى مسألة العلو ومسألة الاستواء، ومسألة كلام الله عز وجل.

فهذه الأمور هي التي يدور عليها أكثر تأويل المؤولة من الجهمية والمعتزلة، وأهل الكلام وغيرهم تبع لهم، ثم هذه الثلاث كلها تدور على مسألة واحدة، وهي مسألة العلو، فإذا قررنا العلو بالفطرة تقرر الوجود الذاتي لله عز وجل، وإذا تقرر الوجود الذاتي تقرر إثبات الأسماء والصفات والأفعال لله على ما يليق بجلاله، وتقرر الاستواء ثم الكلام ثم سائر الصفات.

ومسألة العلو بدهية، فإذا قررناها بالبداهة بعيداً عن السفسطة وبعيداً عن التكلف الذي تكلف به المتكلفون انتهى وانهدم أصل الخصم الذي بنى عليه التأويل أو بنى عليه التعطيل.

وقول الهمذاني مثال فقط لما يجري بين أهل السنة وبين غيرهم في تقرير العقيدة، فـ الهمذاني ما ذهب يتفلسف، بل ألجأ الجويني إلى الاعتراف بحقيقة الفطرة الساذجة، فقال: دعنا من كلامك هذا كله، لكن فسر لي الضرورة التي يجدها قلب كل إنسان ما تفلسف ولا درس على الجويني ولا على غيره، يجد في قلبه أنه إذا دعا الله عز وجل توجه قلبه إلى فوق، فهذه الضرورة من أين جاءت؟! مع أنه ما قرأ ولا تعلم على يد معلم ولا سمع الجويني ولا غير الجويني، فمن أين جاءت هذه الضرورة؟! فـ الجويني تأمل وقال: هذه فطرة، فالله عز وجل هو الذي خلق هؤلاء العباد وفطرهم، فمن أين جاءتهم هذه الضرورة التي يتفقون عليها؟! ولماذا أنا وعدد من الناس يعدون على الأصابع على الحق وهذه الأمة التي هي على الفطرة السليمة يضيع إيمانها كلها، حيث لم تؤمن بما قاله الجويني وحينما آمنت بصيغة العلو؟! تأمل ذلك قليلاً ثم ضرب على رأسه وبكى، وبعد ذلك رجع رجعة عبر عنها بتعبير لا يستطيع أحد أن يعبر بمثل تعبيره؛ لأنه جرب.

قال رحمه الله تعالى: [فإن كان حكم فطر بني آدم مقبولاً ترجحنا عليكم، وإن كان مردوداً غير مقبول بطل قولكم بالكلية؛ فإنكم إنما بنيتم قولكم على ما تدعون أنه مقدمات معلومة بالفطرة الآدمية، وبطلت عقلياتنا أيضاً، وكان السمع الذي جاءت به الأنبياء معنا لا معكم، فنحن مختصون بالسمع دونكم، والعقل مشترك بيننا وبينكم.

فإن قلتم: أكثر العقلاء يقولون بقولنا؟ قيل: ليس الأمر كذلك، فإن الذين يصرحون بأن صانع العالم].

كان اللازم أن يعبر بـ (خالق العالم)، لكن هذا التعبير من تعبير شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يرد على أهل الكلام، فكثيراً ما يستعمل مصطلحاتهم؛ لأنها أقرب إلى مفاهيمهم وأقرب إلى إقامة الحجة عليهم، وعلى هذا ينبغي أن يكون بدلها (خالق العالم).

قال رحمه الله تعالى: [فإن الذين يصرحون بأن صانع العالم ليس هو فوق العالم وليس فوق العالم شيء موجود، وأنه لا مباين للعالم ولا حال في العالم؛ طائفة من النظار، وأول من عرف عنه ذلك في الإسلام جهم بن صفوان وأتباعه].