للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[المعتزلة وأصولهم الخمسة]

قال رحمه الله تعالى: [والمعتزلة: هم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال وأصحابهما، سُمُّوا بذلك لما اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري رحمه الله تعالى في أوائل المائة الثانية، وكانوا يجلسون معتزلين، فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة، وقيل: إن واصل بن عطاء هو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة، وتابعه عمرو بن عبيد تلميذ الحسن البصري، فلما كان زمن هارون الرشيد صنف لهم أبو الهذيل كتابين، وبيَّن مذهبهم، وبنى مذهبهم على الأصول الخمسة التي سَمَّوها: العدل.

والتوحيد.

وإنفاذ الوعيد.

والمنزلة بين المنزلتين.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولبَّسوا فيها الحق بالباطل؛ إذ شأن البدع هذا، اشتمالها على حق وباطل].

الإشارة إلى أصول المعتزلة فيها بيان لمنهج أهل الأهواء عموماً، فإن أهل الأهواء وخاصة الفرق ذات الأصول والمناهج، كلهم وضعوا لأنفسهم أصولاً تختلف عن أصول أهل السنة والجماعة، أما أهل السنة والجماعة فليس عندهم في قواعد الدين وأصوله العامة إلا ما ثبت بالكتاب والسنة، ولذلك لا يسمون للدين أصولاً بالتحديد والتعيين إلا ما يندرج تحت أركان الإيمان، وأركان الإسلام، يعني: ليس عندهم أركان للدين ولا أصول غير أركان الإيمان الستة، وأركان الإسلام الخمسة، وما يندرج تحتها، ولذلك لا يزيدون في هذه الأركان ولا ينقصون، ومن هنا بدع السلف من ادعى أن للإيمان أركاناً غير الأركان الستة، أو أن للإسلام أركاناً غير الأركان الخمسة، بخلاف المخالفين من أهل الأهواء قديماً وحديثاً، فتجد عندهم أصولاً، الأصول الستة وغيرها من الأصول التي لا يقترن بها أصول الإيمان، أو الأصول الخمسة عند المعتزلة، أو الأصول العشرين، أو الثلاثين، أو العشرة، أو الثلاثة إلى آخره، كل ذلك من مناهج أهل الأهواء، والرافضة عندهم أصول محددة، والجهمية عندهم أصول محددة، والمعتزلة عندهم أصول محددة، وهكذا بقية أهل الأهواء.

إذاً: من سمات أهل الأهواء أنهم يضعون أصولاً ويحددونها، ويجعلونها تخالف في الغالب أصول الدين المتقررة في الكتاب والسنة وعند السلف، وأيضاً تحكي مناهجهم التي خالفوا فيها أئمة الدين، فالأصول الخمسة هي من اختراع المعتزلة، ولم يخترعوها دفعة واحدة، إنما جاءت باستقراء أبي الهذيل العلاف ومن سلك سبيله، استقرأ أقوال شيوخه السابقين، فتبين له أن عامة ما تقول به المعتزلة يرجع إلى خمسة أصول، فلما سمى هذه الأصول، تعلق بها من بعده، وجعلوها من دينهم ومن شعاراتهم وفرحوا بها؛ لأنها تجعل لهم كياناً، وكأنها بزعمهم تجمع شملهم المتشتت.

إذاً: فهذه الأصول مبتدعة، وليست مبنية على أصول الكتاب والسنة، وهي من اختراع المتأخرين منهم، ومما ينبغي التنبه له أن أهل البدع لا يتفقون على هذه الأصول، إنما قد يكون عليها الأغلب.

قال رحمه الله تعالى: [وهم مشبِّهة الأفعال؛ لأنهم قاسوا أفعال الله تعالى على أفعال عباده، وجعلوا ما يحسن من العباد يحسن منه، وما يقبح من العباد يقبح منه! وقالوا: يجب عليه أن يفعل كذا، ولا يجوز له أن يفعل كذا، بمقتضى ذلك القياس الفاسد! فإن السيد من بني آدم لو رأى عبيده تزني بإمائه ولا يمنعهم من ذلك، لعُدَّ إما مستحسناً للقبيح وإما عاجزاً، فكيف يصح قياس أفعاله سبحانه وتعالى على أفعال عباده؟! والكلام على هذا المعنى مبسوط في موضعه].

يشير المؤلف هنا إلى مقولة المعتزلة -والتي هي من أصولهم-: أن الله عز وجل لم يقدِّر الشر.

ومذهب السلف أن الله عز وجل قدر كل شيء، قدر الخير والشر ابتلاءً وفتنة للعباد، وأن الله خالق كل شيء، والمعتزلة زعمت أن الشر ليس من خلق الله ولا من تقديره، زعماً منهم أن هذا من تنزيه الله، والسلف يقولون بأن الشر ليس إلى الله، بمعنى لا ينسب إليه نسبة محضة، إنما ينسب إليه تقدير الشر، وخلق ما يتعلق به من باب الابتلاء، ولحكمة يعلمها الله عز وجل، فهم زعموا أن نسبة الشر إلى الله عز وجل قدح في كماله، فمن هنا وصلوا إلى القول بأن العباد خالقون لأفعالهم، وأن الله لم يخلق أفعالهم، أو لبعض أفعالهم، فبعضهم يرون أن الله خالق أفعال الخير، وليس الشر من تقديره ولا من خلقه؛ لأن الشر لو كان من خلقه حسب زعمهم لرضي بالفساد ممن تحت ولايته.