للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[سلوك المعتزلة والرافضة مسلك الفلاسفة في إحداث أصول هادمة للدين]

قال رحمه الله تعالى: [وقد أبدلتها المعتزلة بأصولهم الخمسة التي هدموا بها كثيراً من الدين؛ فإنهم بنوا أصل دينهم على الجسم والعرض، الذي هو الموصوف والصفة عندهم، واحتجوا بالصفات التي هي الأعراض على حدوث الموصوف الذي هو الجسم، وتكلموا في التوحيد على هذا الأصل، فنفوا عن الله كل صفة، تشبيها بالصفات الموجودة في الموصوفات التي هي الأجسام، ثم تكلموا بعد ذلك في أفعاله التي هي القدر، وسموا ذلك العدل، ثم تكلموا في النبوة والشرائع والأمر والنهي والوعد والوعيد، وهي مسائل الأسماء والأحكام، التي هي المنزلة بين المنزلتين، ومسألة إنفاذ الوعيد، ثم تكلموا في إلزام الغير بذلك، الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمنوه جواز الخروج على الأئمة بالقتال، فهذه أصولهم الخمسة، التي وضعوها بإزاء أصول الدين الخمسة التي بعث بها الرسول].

الأصول الخمسة وغيرها مما تكلم به أهل الأهواء قديماً، ومما بدأت تظهر بعض مظاهره عند الفرق الحديثة، وأعني بذلك وضع أصول أو أركان للدين غير ما ورد في الشرع؛ فإن هذا من البدع، ولذلك يجب أن يحذر طالب العلم ويحذر غيره من تسمية ما يعتقده الناس أو يجتهدون فيه من مناهج أصولاً في الدين، بمعنى: أنه لا يصح أن نسمي في الإسلام أركاناً غير الأركان الخمسة، ولا أن نسمي للإيمان أركاناً غير الأركان الستة، ولا أن نضع أصولاً للدين غير ما تقرر في الكتاب والسنة، وإذا أقررنا بمجمل الأصول فلا نعدها عداً على سبيل الحصر، فلا يجوز -مثلاً- لقائل أن يقول: أصول الدين تنحصر في عشرين مسألة أو في عشرين أصلاً؛ لأن الحصر في أصول الدين لا يجوز، وهذا بخلاف الأمور الاجتهادية، فإذا كان العالم أو طالب العلم يتكلم عن أمور اجتهادية تتعلق بالتفريعات على العقيدة، أو بالأحكام؛ فلا مانع من أن يضع ضوابط للتقسيم، فيقول مثلاً: هذا فيه عشر مسائل، هذا فيه عشرة أصول، هذا فيه عشر قواعد إلى آخر ذلك من الأمور الاجتهادية.

أما فيما يتعلق بأصول الدين -كأركان الإسلام وأركان الإيمان والإحسان، ونحو ذلك من المصطلحات الشرعية التي حددت أصولها- فلا يجوز لأحد أن يحدث شيئاً فيها.

ولذلك ينبغي أن نتنبه لما أحدثه الناس من مناهج يضعونها أصولاً لهم، فهذا يضع أصولاً عشرين، وهذا يضع خمسة، وهذا يضع ستة، وغير ذلك مما تفعله الجماعات الآن.

وهذا -وإن كان لا يقصد به مضاهاة أصول الدين، ولا يقصد به وضع أصول غير ما جاء في الشرع- لكنه مع مرور الزمن إذا بقي بدون تنبيه عليه -وهذا في الغالب مما لا يضبط- وإذا أصر أصحابه على التحديد فإنه ستأتي أجيال تجعل هذه الأصول من أصول الدين، كما فعلت المعتزلة في أصولها الخمسة، وكما فعلت الرافضة في أصولها، والخوارج في أصولها، والقدرية في أصولها، وأهل الكلام في أصولهم، حيث وضعوا قواعد جعلوها هي الأصل في تكميل الدين واعتقاده.

فينبغي أن نتنبه لهذه المسألة، فلا يجوز أن نضع مناهج ونسميها أصولاً، أو أن ننسبها إلى الدين، ما عدا الأمور الاجتهادية التي تتعلق بالأحكام أو بالفرعيات، بشرط أن تكون أصولاً أو تفريعات علمية لا أموراً يجتمع عليها وينتمي إليها الناس، وتكون بمثابة الشعارات، بمعنى أنه لو اجتهد أحد في أمور من المسائل الاجتهادية ووضع لها أصولاً حددها أو لم يحددها؛ فإنه لا ينبغي أن يدعو الناس لاعتناقها أو للاجتماع عليها، أو أن تكون شعاراً لجماعة أو منهجاً لطريقة من الطرق أو حركة من الحركات أو نحو ذلك؛ فإن هذا في الغالب -ولابد- يؤدي مع مرور الزمن إلى التعصب لهذه الأصول وجعلها بديلاً عن أصول الدين.

والجماعات التي وضعت هذه الأصول قديماً وحديثاً نجد بوضوح أنها بدأت تحتكم إليها وتوالي وتعادي عليها على تفاوت بينهم، وبدأت تقرر أصول الدين ومناهج الدين على هذه الأسس التي وضعتها، وقد تنسى في غمرة الحماس لهذه الأصول أركان الإسلام وأركان الإيمان، بل إن كثيراً من الجماعات نسيت الحديث عن أركان الإيمان وأركان الإسلام إلا عرضاً، وجعلت الحديث مع الناس وفي الدعوة إلى مبادئها على هذه الأصول التي وضعتها أو قررتها، فينبغي التنبه لذلك والتنبيه عليه.