للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[تبديع من يصعق عند سماع الأنغام الحسنة]

قال رحمه الله تعالى: [وكذلك الذين يصعقون عند سماع الأنغام الحسنة، مبتدعون ضالون، وليس للإنسان أن يستدعي ما يكون سبب زوال عقله، ولم يكن في الصحابة والتابعين من يفعل ذلك، ولو عند سماع القرآن، بل كانوا كما وصفهم الله تعالى: {إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:٢].

وكما قال الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر:٢٣].

وأما الذين ذكرهم العلماء بخير من عقلاء المجانين، فأولئك كان فيهم خير، ثم زالت عقولهم.

ومن علامة هؤلاء: أنه إذا حصل في جنونهم نوع من الصحو، تكلموا بما كان في قلوبهم من الإيمان، ويهذون بذلك في حال زوال عقلهم، بخلاف غيرهم ممن يتكلم إذا حصل لهم نوع إفاقة بالكفر والشرك، ويهذون بذلك في حال زوال عقلهم].

يشير الشيخ إلى مسألة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية كثيراً، ورددها في كلامه على أحوال الصوفية والعباد، وهي من المسائل التي تحتاج إلى تأمل، وهي أن هناك ممن يدعون التصوف أو يدعون التعبد، فمنهم من يحدث عنده أحياناً نوع مما نسميه الهستيريا، أو نوع من الجنون، فهو يفقد عقله أحياناً، أو يكون عنده نوع من الهذيان في بعض الأمور، وإذا زالت هذه الحال صار مستقيماً على السنة.

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية من هؤلاء: البسطامي، وابن أبي الحواري، والتستري ونحوهم، وهؤلاء لهم شطحات كبرى، بعضها شركية وبعضها كفرية وبعضها فيها ضلال، لكن شيخ الإسلام كان يعذر هؤلاء، والدليل على هذا أنهم إذا كانوا في حالة الصحو أتوا بكلام جميل في الاعتصام والالتزام بالكتاب والسنة، والدفاع عن العقيدة، وكراهة البدعة، والرد عليها، وفعلاً هؤلاء وأمثالهم لهم درر في الرد على أهل الأهواء، وعندهم حكم في تقرير الدين وتقرير السنة، حكم تكتب بماء الذهب، ومع ذلك لهم نوبات جنونية، يتكلم الواحد منهم بكلمات مقتضاها الكفر والضلال، أو شيء من المذاهب والملل والنحل الموجودة عند غير المسلمين.

لكن يبقى في أمثال هؤلاء إشكال، وهذا الإشكال يحتاج إلى تأمل، وهو أنهم حينما يتلفظون ببعض الألفاظ غير اللائقة، نجدها أنها ألفاظ راجعة إلى أصول ومناهج مقننة عند الفلاسفة والباطنية، فمن أين أتتهم؟ ربما الشياطين تتكلم على ألسنتهم، وهذا مما يعذرون به، لكن في هذه الحالات تجدهم يقررون أصولاً باطلة موجودة في المجوس، وفي الصابئة، وفي متعبدة النصارى، وموجودة في الديانات الهندية، أصولاً فلسفية بدعية تتعلق بالعقائد والسلوك والتصوف والعبادات، وهذه الأصول البدعية التي خرجت من أفواه هؤلاء صارت فيما بعد هي أصول المتصوفة المنحرفة، وهي أصول الباطنية، وهي أصول الفلاسفة.

فقوله: بأن هؤلاء يعذرون، قد يعذرون من جانب، لكن ما يتلفظون به لا بد أن يقرر بأنه باطل، ولا بد أن تؤخذ من أحوالهم العبرة؛ لأن تزكيتهم قد يفهم منها التزكية المطلقة، بل قد يتتبع الناس أقوالهم حتى في حال الهذيان والهسترة، وهذا ينبغي تأمله، وحبذا لو يتصدى له بعض طلاب العلم؛ لأن هذيان هؤلاء لا يزال هو المرتكزات للمتصوفة التي اعتمدوا عليها في نشر باطلهم، وفي تقرير أصول البدع، وزعموا أن هؤلاء من المرضيين عند السلف، ويستدلون بكلام شيخ الإسلام وغيره، وأن السلف زكوهم.

فنقول: التزكية مشروطة ومضبوطة بضوابط الشرع وليست مطلقة، والله أعلم.

أما كلامهم الجيد فلا بأس بسياقه، وقد ساقه كثير من الأئمة، حتى الإمام أحمد في كتاب (الزهد) ساق شيئاً من كلامهم الطيب والجيد الذي ينمي في الناس الإيمان والعمل الصالح، وينمي في الناس العقيدة السليمة والدفاع عنها؛ لأن هؤلاء مع وجود الشطحات فيهم حال الاضطراب، إلا أنهم حال صحوهم لهم كلام من الحكم أعجب به السلف، وجعلوه أحياناً من مناهجهم وأصولهم.

أما كلامهم حال الاضطراب وحال الفترات الجنونية، فإنه يعتبر من أصول البدع، مثل قول رابعة: لا أعبدك رجاء جنتك، ولا خوفاً من نارك.

هذا كلام خطير، فالرجاء والخوف أصل من أصول العبادة الضرورية، وهي كأنها تقول: لا أعبد الله إلا بالمحبة.

وهذا حقيقته كفر، لكن ما مقصدها؟ الله أعلم بذلك.

كذلك ابن أبي الحواري، والحكيم الترمذي، والتستري، والبسطامي كل هؤلاء أثر عنهم مثل هذه الأمور، لكن السلف رووا آثارهم التي في نصر العقيدة وفي الزهد وفي العبادة التي لها فائدة، رووها واعتمدوها وجعلوها من الأمور الت