للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فبلغ هارون الرشيد خبره، فقال: هذا كلام رجل بينه وبين اللَّه سريرة، ثم قال: ائتوني به، فلما أحضر بين يديه وتسالما، صافحه هارون وأجلسه بين يديه، ثم قال له: يا شيخ، ادع اللَّه أن يسقينا (١) عسى أن يكون لك عند اللَّه جاه، فتبسم الشيخ وقال: أتريدون أن أدعو لكم إلهي وسيدي ومولاي؟ فقالوا: نعم.

قال توبوا إلى اللَّه ﷿ (٢). فنودي بالناس بالتوبة، فتابوا وأنابوا، ثم تقدم الشيخ فصلى ركعتين خفيفتين، فلما سلم أخذ بناته عن يمينه وعن يساره، وبسط يديه وأسبل دمعته، ودعا فما استتم دعاءه إلا والسماء قد تجللت بالسحاب، وأرعدت وأبرقت وأسبلت مطرا كأفواه القرب.

فاستبشر الرشيد بذلك، واجتمع إليه خواصَّه وأهل مملكته يهنونه ويبشرونه، فقال: عليَّ بالشيخ الصالح، فطلبوه فوجدوه في مكانه ساجدا في الماء والطين، للَّه رب العالمين. فقالوا لبناته: ما لأبيكن هكذا لا يرفع رأسه؟ فقلن: هذه عادته إذا سجد لا يفيق ولا يرفع رأسه إلى ثلاثة أيام.

فأخبروا بذلك الرشيد فبكى بكاء شديدا (٣)، وقال: اللهم إني توسلت إليك بحرمة الصالحين أن تهبنا لهم، وتفيض علينا من جزيل بركاتهم بفضلك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.


(١) في الاستسقاء يستحب تحويل الرداء في أثنائها، قال أصحابنا: يحول في نحو ثلث الخطبة الثانية، وذلك حين يستقبل القبلة، قالوا: والتحويل شرع تفاؤلا بتغير الحال من القحط إلى نزول الغيث والخصب، ومن ضيق الحال إلى سعته، وفيه دليل للشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء في استحباب تحويل الرداء، ولم يستحبه أبو حنيفة، ويستحب عندنا أيضا للمأمومين كما يستحب للإمام، وبه قال مالك وغيره، وخالف فيه جماعة من العلماء. [المرجع السابق (٦/ ١٦٦)].
(٢) قال تعالى حاكيا عن نوح : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] قال ابن كثير: روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه صعد المنبر ليستسقي فلم يزد على الاستغفار وقراءة الآيات في الاستغفار، ومنها هذه الآية. [تفسير ابن كثير (٤/ ٤٢٤)].
(٣) كان الرشيد يبكي على نفسه وإسرافه وذنوبه، سيما إذا وُعِظَ، دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ فبالغ في احترامه، فقال له ابن السماك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك، ثم وعظه فأبكاه، وقد وعظه الفضيل بن عياض حتى جعل يشهق بالبكاء، وكان هو أتى بنفسه إلى بيت الفضيل، ومن محاسنه أنه لما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء، وأمر الأعيان أن يعزوه في ابن المبارك. [تاريخ الإسلام، وفيات (١٩١ - ٢٠٠)].

<<  <  ج: ص:  >  >>