للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بالدموع، فمسحتها وفتحتها فلم أر الفتى ولا القصر، فبقيت متحسرا على ما فاتني، ثم أخذت في العبادة.

[فصل]

عن محمد بن عبد الرحمن عن رجل حدثه أنهم كانوا بالبصرة في سنة قحط الناس فيها وغلا سعرهم، واحتبس عنهم المطر، فخرجوا يستسقون (١) وخرجت اليهود والنصارى، فاعتزل اليهود ومعهم التوراة، واعتزل النصارى ومعهم الإنجيل، واعتزل المسلمون فكلهم يدعون، فانصرفوا يومهم ذلك ولم يُسْقَوا. قال: فبينما أنا أمشي بعد ذلك في طريق المربد نظرت فإذا بين يدي فتى عليه أطمار رثة، وهو يمشي وأنا خلفه حتى خرج إلى الجبان فدخل بعض تلك المساجد التي بالقرب من المقابر ودخلت خلفه، يحول بيني وبينه أركان المسجد، فصلى ركعتين، ثم رفع يديه وقال في دعائه: يا رب استغاث بك عبادك فلم تسقهم، يا رب الآن تشمت بنا اليهود والنصارى، أقسمت عليك يا رب إلا سقيتنا الساعة ولم تردني (٢).

قال فما برح يدعو حتى جاءت سحابة ومطرنا، فخرج وخرجت في أثره لأعرف موضعه، فجاء إلى دار فيها أخصاص وأكواخ، وفيها سكان، فدخل بيتا منها، فعرفت موضعه، فانصرفت عنه وهيأت دراهم في صرة، ثم جئت فاستأذنت عليه، فدخلت، فإذا ليس بالبيت إلا قطعة حصير ومطهرة فيها ماء، وإذا هو قاعد يعمل الخوص (٣)، فسلمت عليه ورب بي وبش، فتحدثت ساعة ثم أخرجت الصرة فقلت: يرحمك اللَّه انتفع بهذه، فتبسم وقال: جزاك اللَّه خيرا، أنا في غنى عنها، فألححت عليه، فجعل


(١) أجمع العلماء على أن الاستسقاء سنة، واختلفوا: هل تسن له صلاة أم لا، فقال أبو حنيفة: لا تسن له صلاة بل يستسقي بالدعاء بلا صلاة، وقال سائر العلماء من السلف والخلف والصحابة والتابعون فمن بعدهم: تسن الصلاة، ولم يخالف فيه إلا أبو حنيفة، وتعلق بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة، واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما: أن رسول اللَّه صلى للاستسقاء ركعتين.
(٢) روي في الصحيحين من حديث أنس رفعه: "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبره" وحديث ذلك مع الصحابي الجليل البراء بن مالك أحد الأبطال الذين يضرب بهم المثل في الفروسية والشدة، وكان من فضلاء الأنصار، وأحد السادة الأبرار، قتل من المشركين مائة مبارزة، وشهد أُحُدًا، وما بعدها.
وقد ذكر ابن تيمية أن في موقعة القادسية قال البراء: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وجعلتني أول شهيد فمنحوا أكتافهم وقتل شهيدا. [انظر الفرقان لابن تيمية ص ٦٩].
(٣) روى البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٢٧) رفعه: "ما أكل ابن آدم طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده".

<<  <  ج: ص:  >  >>