للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[فصل]

ووقع لهم أيضا إطاعة الأشياء؛ فكثير منهم حرسته السباع، وبعضهم حمل عليها زاده، وبعضهم حطبا، منهم أبو الخير بن جميل العارف، فإن أسدا افترس حماره، فقال: وعزة المعبود ما أُخطي خطوة إلا على ظهرك، فخضع وحمله.

ووقع ذلك لابن شعوانة (١) أيضا، وقال: باللَّه يا أماه إلا ما وهبتيني للَّه، فقالت: إنك لا تصلح الآن، فلما رأت ذلك منه قالت: الآن صلحت لذلك.

وروي أن شاهًا الكرماني (٢) خرج يتصيد، وإذا بشاب راكب على أسد، وحوله جماعة منهم، فلما رأوه ابتدروه، فزجرهم، ثم جاءت عجوز بماء فشرب الشاب، ثم أسقى شاهًا. فقال: هذه الدنيا، وكَّلها اللَّه أن تخدمني، فما احتجت لشيء إلا أحضرته حين يخطر ببالي، أما بلغك أن اللَّه تعالى لما خلق الدنيا قال لها: يا دنيا من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه (٣) ووعظه. وكان ذلك سبب توبته وخروجه من الملك (٤).

والحكاية المشهورة في الفقهاء الذين عابوا على الإمام في لحنه، وحصل لهم جنابة، فنزلوا فاغتسلوا، وإذا الأسد على ثيابهم حتى جاء الإمام فزجره وقال: أنتم اشتغلتم بإصلاح الظاهر فقط.

وكانت السباع تأوي إلى بيت سهل فيطعمها.


(١) شعوانة كانت لا تفتر عن البكاء فقيل لها في ذلك قالت: واللَّه لو أردت أن أبكي حتى تنقطع دموعي ثم أبكي دما حتى لا يبقى جارحة في جسدي فيها دم. وكانت تقول: من لم يستطع البكاء فليرحم الباكين؛ فإن الباكي إنما يبكي لمعرفته بنفسه وما جنى عليها وما هو سائر إليه. وكانت تبكي وتقول: إلهي إنك لتعلم أن العطشان من حبك لا يروى أبدا. وكان الفضيل بن عاض يأتيها ويتردد إليها ويسألها الدعاء. [الطبقات الكبرى للشعراني (١/ ٥٧)].
(٢) أبو الفوارس شاه بن شجاع الكرماني، كان من أولاد الملوك، صحب أبا تراب النخشبي وأبا عبيد البسري، وكان من أجل القيان وعلماء هذه الطائفة، وله رسالات مشهورة، ومن صحبك ورافقك على ما يحب وخالفك يما يكره فإنما صحبك لهواه، فهو طالب بصحبتك راحة الدنيا لا غير. وكان يقول: لأهل الفضل ما لم يروه فإذا رأوه فلا فضل لهم، ولأهل الولاية ولاية ما لم يروه فإذا رأوه فلا ولاية لهم.
(٣) أخرجه الفتني في تذكرة الموضوعات (١٧٥).
(٤) ومن أقواله: من نظر إلى الخلق بعينه طالت خصومته معهم، ومن نظر إليهم بعين اللَّه عذرهم، وقل اشتغاله بهم، قلت. أي الذهبي: كلامه هذا إن صح عنه فغير مسلم إليه، بل ينبغي أن يرحمهم في خصومته ومخاصمتهم في رحمته، وليس للعباد عذر ولا حجة بعد الرسل. [تاريخ الإسلام للذهبي وفيات (٢٩١ - ٣٠٠)].

<<  <  ج: ص:  >  >>