للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مجلس في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (١).

معنى أورثنا: أعطينا، أو أخرنا، والكتاب: القرآن، وفي هذا كرامة لهذه الأمة؛ حيث قال: أورثنا، وقال في غيرهم: ﴿أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩].

﴿اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾: أي هذه الأمة، ثم قسمهم ثلاث طبقات، ورتبهم على ثلاث درجات؛ فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] فبدأ اللفظ، وعلق الظلم بالنفس، فلذلك ساغ أن يكون من أهل الاصطفاء مع ظلمه، وإنما أخر السابق ليكون أقرب إلى الجنات والثواب، وإنما كان من حقه التقديم؛ فإنه الأفضل، كما قدم الصوامع والبيع في سورة الحج (٢) على المساجد ليكون أقرب إلى الهدم، والمساجد أقرب إلى ذكر اللَّه.

وعنه جواب ثان، وهو أن هذا من الترقي من الأدنى إلى الأعلى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). وقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [الحج: ٦١] (٤)، وقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ (٥)، وقوله: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ (٦).

وجواب ثالث: وهو أنه قدم الظالم لئلا ييأس من رحمته، وأخر السابق لئلا يعجب بعمله.

ورابع: أنه قدمه لأنه لم يكن له شيء يتكل عليه غير الرحمة، واتكل المقتصد


(١) سورة فاطر (٣٢).
يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدق لما بين يديه من الكتب الذين اصطفينا من عبادنا، وهم هذه الأمة، ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع، فقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، وهو المفرط في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢]، وهو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، وهو الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات.
(٢) قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠].
(٣) سورة الأنعام (١٦٥).
(٤) سورة فاطر (١٣).
(٥) سورة الشورى (٤٩).
(٦) سورة الملك (٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>