للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يدعو ويأبى أن يأخذها، فلما أكثرت عليه تنكر لي وقال: حسبك الآن؛ ليس لي فيها حاجة، فأقبلت عليه وقلت: رحمك اللَّه؛ إن لي حقا، قال: وما هو رحمك اللَّه؟ قلت: كنت أسمع دعاءك حيث خرجت إلى الجبان. قال: فاصفر وجهه حتى أنكرته، وساءه ما قلت له، ثم خرجت من عنده، فلما كان بعد ذلك بأيام أتيته، فلما دخلت الدار جعل سكان الدار يصيحون بقيِّم الدار: هو ذا قد جاء، فجاء إليَّ وتعلق بي وقال: يا عدو نفسه، ما صنعت بذلك الفتى الذي جئته اليوم الأول، أي شيء أسمعته؟ قلت: لا تعجل عليَّ أُخبرك بالحديث.

فقال إنك لما خرجت من عنده قام في الحال فأخذ حصيره ومطهرته وودعنا، فخرج ولم يعد البيت إلى الساعة، ولا ندري أين توجه.

[فصل]

حكي أنه أمسك الغيث عن بغداد حتى كاد أهلها يهلكون، واغتسلوا وتطهروا وخرجوا إلى الصحراء يسألون اللَّه ﷿ أن يسقيهم غيثه يوما بعد يوم، فلم يُسْقَوا.

وكان ذلك في خلافة هارون الرشيد (١)، فبينما هم كذلك يلوذون ويتوسلون إذا برجل قد أقبل من صدر البرية أشعث أغبر ذي طمرين، ومعه ثلاث بنات عذارى كأحسن البنات، فوقفوا في أطراف الناس، فسلم عليهم، فردوا عليه السلام، فقال: يا قوم ما لكم وقوفا مجتمعين؟ فقالوا: يا شيخ دعونا اللَّه ﷿ أن يسقينا (٢). فقال: يا قوم أهو غائب عنكم في المدينة حتى خرجتم إلى الصحراء؟ أو ليس هو في كل مكان موجود؟ أما قال تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٣).


(١) استخلف سنة (١٧٠) بعد موت أخيه الهادي، واسمه أبو جعفر بن محمد المهدي بن المنصور أبي جعفر عبد اللَّه بن عباس العباسي البغدادي، كان كثير الغزو والحج، أغزاه والده أرض الروم وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان يحب العلم وأهله، ويعظم حرمات الإسلام، وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه، سيما إذا وُعِظ، وكان يحب المديح ويجيز عليه الأموال الجزيلة الجليلة، مات سنة (١٩٣) وله (٤٥) سنة.
(٢) والاستسقاء ثلاثة أنواع: أحدها: الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة، والثاني: الاستسقاء في خطبة الجمعة أو في أثر صلاة مفروضة، وهو أفضل من النوع الذي قبله، والثالث: وهو أحكمها: أن يكون بصلاة ركعتين وخطبتين، ويتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة وإقبال على الخير ومجانبة الشر ونحو ذلك من طاعة اللَّه تعالى. [النووي في شرح مسلم (٦/ ١٦٥) طبعة دار الكتب العلمية].
(٣) سورة الحديد (٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>