للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يا أهيل الهوى إليَّ هلموا … أنا سلطانكم وأنتم جنودي

قلت القلب قد ملئت غراما … فأجاب الفؤاد هل من مزيدي

سكرة الحب أين منها خلاصي … ليس عن سكرة الهوى محيدي

وإذا أنكر العذول غرامي … فالهوى سائقي ودمعي شهودي

فلما كان من الغد إذا بقارئ يقرأ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ (١) بصوت رخيم من قلب رحيم يكاد سامعه يذوب سوقا، ومتحديه يقوله جنونًا وعشقًا، ومحاربه لا يحاربه سعيا وسبقا، فالمطرود يناديه بحضرة: كم أسعد وأشقى.

فقلت، وقد استعبدني بحسن صوته رقا: بالذي جاد بنعمة النغمة حقا، أرفق بقلب شقه الغرام شقا، وجعله عن لبه أطيار العشق عتقا، وصيره صريعا على مصاريع أبواب أرباب الوصل والوصول ملقى.

قال: فبرز لي رجل قد خنقه الحب خنقا، فقال: ما تريد بالمجنون (٢) الذي دمعه لا يرقى، وجنونه لا يداوى ولا يُرْقى، وعمره في الطريق ينادي: الحريق، فما يرى نحو الغريق سحابا ولا برقا، ولكن قد أحالوك عليَّ في الدعاء، فشبهه الجنون بيننا وفقا، فعليك بخيار المجانين (٣)، وأنشَقْ من حبهم نشقا، والزم سنة محمد تدم وتبقى، واحذر أن تخرج عنها فتسمع منه، وقد عصيت "سحقًا سحقًا" (٤).


(١) سورة التوبة (١١٨).
(٢) من عقلاء المجانين، له حكايات وكلام حسن، وكان حيا في دولة الرشيد، ومما يروى عنه أن الرشد مر به فناداه ووعظه فأمر له بمال فقال: ما كنت لأسود وجه الموعظة. وقيل له: غلا السعر فادع اللَّه. قال ما أبالي ولو حبة بدينار، إن للَّه علينا أن نعبده كما أمرنا، وعليه أن يرزقنا كما وعدنا، ومن أشعاره:
يا خاطب الدنيا إلى نفسه … تنح عن خطبتها تسلم
إن التي تخطب غَرَّارَة … قريبة العرس إلى المأتم
[انظر تاريخ الإسلام، وفيات (١٨١ - ١٩٠)].
(٣) ومن عقلاء المجانين أيضا: سعدون المجنون، كان يجن ستة أشهر ويفيق ستة أشهر، وكان إذا هاج صعد السقف ونادى بالليل بصوت رفيع: يا نيام انتبهوا من رقدة الغفلة قبل انقطاع المهلة؛ فإن الموت يأتيكم بغتة. [انظر الطبقات الكبرى للشعراني (١/ ٥٨)].
(٤) في ذلك حديث مشهور رواه البخاري في صحيحه (٦٥٨٣، ٦٥٨٤) كتاب الرقاق، [٥٣] باب في الحوض، عن سهل بن سعد قال: قال النبي : "إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليرِدَنَّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم" وفي الحديث الثاني: عن أبي سعيد وزاد: "فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا =

<<  <  ج: ص:  >  >>