للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتجمع تلك الليلة جموع من العامة والغوغاء والسوقة، وقصدوا باب الأصطبل السلطاني تحت القلعة، وأعلنوا أصواتهم بشتيمة الجاشنكير وسبه والتهكم به، فأخذ بعضُهم وأُدِّب وشُهر، فَطُوّف، على أنهم يرتدعون فما ازدادوا إلا تحاملًا وتعصبًا وبغضًا وتهكمًا، ولاح للمظفر ميل القلوب عنه ونِفَارها، وانقباض العكسر وازْوِرَارِها، فخطر بباله أن يتحيل على تجديد الحلف له، لعله يوثقهم بالأمان ويستوثق لنفسه فيما يحاوله من لقاء الأقران، كيف؟ وقد جرت الأقدار، فإنه كلما أراد تأنيس الخواطر وتأليف القلوب تزايد بها النفار (١).

فجلس في يوم الخميس الحادي عشر من الشهر جلوسًا عامًا بالإيوان، وأحضر الخليفة أبا الربيع سليمان الملقب بالمستكفى، وجدد له البيعة والتولية بحضور الحكام وكافة الأمراء، ورُتبت نسخة لتجديد البيعة، وأمر أن يقرأها الخطباء يوم الجمعة بالجوامع، فلما شرعوا في قراءتها بعد الصلاة وثبت العامة عمومًا وصاحوا جميعًا: كلَّا، لسنا لهذا الكلام سامعين، ولا لقول من قال طائعين، ولا نعرف لنا سلطانًا إلا الملك الناصر، وهموا برجم الخطباء وحصبهم والوثوب بهم، جرى ذلك منهم في الجوامع الثلاثة بمصر والقاهرة، كأنهم اتعدوا له، أو توافقوا عليه، فبطلت قراءة نُسخة البيعة، وأُخرت سدًا للذريعة، وانخرقت الحُرمة، وهتُك ستر الحشمة، وظهرت إمارات زوال النعمة، فصرف اهتمامه إلى بذل العطاء، فأطلق كثيرًا من أمواله وغلاله وخيله وبغاله وجماله، فكان في إنفاقها كما قال الله عز وجل: {فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} (٢). وأعطى طائفة من أصحابه إقطاعات، ونقل جماعة من المفاردة إلى العشرات، قصدًا في الاستكبار، ورجاء للاستبصار بكثرة الأنصار، هيهات، وقد تمكن الإدبار، وجرت بعكسه الأقدار.

وحرضه أهل شُوراه على التجريد العام، والخروج بعامة الجيوش إلى الشام، ورتب أن يخرج كل يوم أربعة من مقدمي الألوف، فكان أول من خرج من الأطلاب،


(١) ينظر التحفة الملوكية ١٩٩.
(٢) جزء من الآية ٣٦ من سورة الأنفال رقم ٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>