للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما السلطان غياث الدين فلم يبرح من مكانه وقيّد فرسه، ووقف على أعلى الجبل ظنا منه أن عساكره التى تقدمت قد نزلت ونازلت، ولم يدر بما أصابهم من الافتراق، وأن كل طائفة منهم صارت إلى أفق من الآفاق، فأتاه الخبر بذلك وهو فى قلة ممن حوله، وكان معه جماعة من الأمراء كان قد نقم عليهم أمرا، فأمسكهم وأودعهم الزردخاناة، فأطلقهم وسلم الحريم إلى أحدهم، وكان اسمه تركرى الجاشنكير وهو والد الأمير مبارز الدين سوارى الرومى أمير شكار الذى هاجر إلى الديار المصرية فى الأيام الظاهرية على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، وأمره أن يتوجه بهم إلى قونية التى هى دار ملكه، وموطن أهله ومسافتها من الذى كان فيه ثلاثون يوما، فسار بهن وقد تركوا القماش والفرش والأثاث، ولم يحملوا إلا الجواهر النفيسة التى يخف حملها ويسهل نقلها، ورحل السلطان عائدا، وترك الوطاق (١) بما حوى من الدهاليز المضروبة والخيام المنصوبة والأثقال التى لها ولعساكره، والخزائن المشتملة على ذخائرهم وذخائره.

ولما عاين التتار هزيمة ذلك العسكر الجرار ظنوها مكيدة، ولم يحسبوها هزيمة، فلبثوا ثلاثة أيام لا يتجاسرون على العبور إلى الخيم، ثم تحققوا أمرهم وعبروه، وحووا كل ما وجدوه من الخيول والأثاث والأثقال، واستعرضوا كله، وعادوا راجعين (٢).

[ذكر بقية الحوادث]

منها: أن الملك الناصر داود لما عاد إلى بغداد بعد استشفاعه بالنبى صلى الله عليه وسلم فى ردّ وديعته أرسل الخليفة المستعصم بالله من حاسب الناصر المذكور


(١) الوطاق: الخيمة الكبيرة التى تعد للعظماء - القاموس.
(٢) انظر نهاية الأرب ج‍ ٢٧ ص ١٠٦ - ١٠٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>