للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يطلبهما إليه للمشاورة، فلما وصل قصاده إليهما ركبا في الليل كأنهما سارحان للصيد، فسارا حتى وصلا إلى حلب، واجتمعا بالأمير قراسنقر بالليل وتشاوروا فيما بينهم، فقال لهم قفجق: بعد أن جاء الأمراء إلى السلطان من مصر اتضح الأمر، والتأخير لا يفيد، ونخشى أن يجئ عسكر من مصر إلى الكرك ويتحرك الأفرم بعسكر الشام فيتعذر وصولنا إلى الناصر، ثم يبعث الناصر ويطلبنا فلا نقدر، فيكون تهاون في حقه، فقالوا له: صدقت، ولكن تريد الآن أن نسير إليه أحدًا ويكون معولنا عليه، فقال اسندمر نائب طرابلس: أنا أسير إليه، فقال قراسنقر: إذا سرت أنت إليه ترتج البلاد، فقال اسندمر: أسير بحيث لا يعلم أحد بي، فإني أُظهر أني ضعيف وأمنع الناس الدخول عَلَيَّ، ولى عادة بمنع دخول الناس إلىّ، فاتفقوا على هذا، وكتبوا الكتب، وأخذها اسندمر، فلما وصل إلى الساحل أظهر أنه مريض، حصل له المرض في الصيد وأنه مشرف على الهلاك لقوة مرضه، وأرسل إلى الأفرم في دمشق يطلب منه حكيمًا حاذقًا من حكماء المارستان، فقام في تلك الليلة وركب هو ومعه نجاب واحد وثلاثة مماليك، وأوصى مملوكه سنقر إذا جاء الحكيم من دمشق صَبَّره يومًا بعد يوم، وتعلل عليه إلى أن أحضر، فسار في حندس (١) الظلام، فما أصبح الصبح عليهم إلا وهم على قرية من قرى حمص يقال لها: غُنْثُر، فنزلوا عليها حتى استراحوا، ثم ركبوا منها ودخلوا البرية.

وقد ذكرنا أن المظفر كان قد سَيَّر البريدي إلى الناصر يطلب منه نغيه [ومغلطاي] (٢) ومن معهما، فوصل البريدي واسندمر في ساعة واحدة، كأنهما كانا على ميعاد، فأخذ السلطان الكتاب واسندمر إلى جانبه وعليه لبس العربان وقد ضرب اللثام، فقرأ السلطان الكتاب، ثم ناوله لأسندمر فقرأه وفهم معناه، ثم أمر الناس بالانصراف، ولم يخلّ عنده أحدًا، فقال السلطان: يا أمير ما يكون الجواب؟ فقال له: المصلحة أن تخادعهم بالكلام ونرق لهم في الخطاب حتى نُجهز أمرنا ونستظهر، فقال السلطان: فاكتب له الجواب مثل ما تختار، فكتب اسندمر:


(١) حندس الليل: اشتد ظلامه، لسان العرب، مادة: حندس.
(٢) ومغلطيه: في الأصل، والتصويب مما سبق، ومن مصادر الترجمة.

<<  <  ج: ص:  >  >>