للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد ذكرنا أن مهنا كان قد كتب كتابًا إلى السلطان (١) يُعلم فيه برواح الأمراء إلى بلاد التتار، فلما قرأ السلطان كتابه قال لابنه: وأين مهنا اليوم نازل؟ قال: خليته بين الرحبة والرقة، فقال: أنا ما أخرج من كلام مهنا وهو عندي مثل الملك المنصور، وما أخرجت عنه إمرة العرب إلا أن ثابت بن يزيد كتب إليَّ يقول: إن مهنا قد أرسل أولاده إلى خربندا، وهو الذي ما يخلي قراسنقر عن المجيء، وهو الذي عَصَّاه عليك وعَصَّى الأمراء، وربما حلف له الأمراء، ولازلت في شَكٍّ من هذا، حتى راحت الأمراء ولم يرح هو، ولا تغير من مكانه، فعلمت أن كل شيء قالوه في حقه كذب، وما كان قصد مهنا إلا الإصلاح، ثم إنه أمر أن يُكتب كتاب لمهنا بأنه ملك العرب، وأنه مُستمر على خُبزه، وزَادَه قرية من الخاص تعمل كل سنة ألف غرارة، وأخرج كتاب ثابت بن يزيد وأعطاه لابن مهنا، وقال له: هذا كتاب ثابت حتى يعلم مهنا صحة ما قلت، فَقَبَّل ابن مهنا الأرضَ، وقال صدق مولانا السلطان.

ثم إن السلطان استدعى بأحمد الكلابي وسَيَّره بالكتاب مع أحمد بن مهنا، وقال له: قل لمهنا مشافهة: يا أبي دعني من هذا الحديث، فأنت على كل حال بركتي ووالدي، وإن كان هؤلاء المُدْبِرِين رَاحوا يُعَوِّض الله بخير منهم، فلا تحمل على قلبك همًّا، وأريد أنك تمشي على عادتك ولا تقطع عني كتبك، والسلام.

ثم إنهما خرجا وسارا إلى أن وصلا إلى مهنا وناولاه الكتاب وبَلَّغاه الأخبار، ففرح فرحًا شديدًا، وخلع على أحمد الكلابي، وأعطاه ألف دينار، وعشرة أروس خيول، وخمسين جملًا، وأرسل معه حصانه الذي يسمونه المعضد الذي ليس له نظير في الديار.

ثم إن السلطان طلب مملوكه سيف الدين دنكز، فقال له: يا دنكز، قال له: لبيك يا مولانا السلطان، قال له: رُح إلى دمشق فإني ولَّيتك نائبًا فيها، وتَوصَّ بأهلها وأظهر العدل بين الرعية.


(١) مهنا السلطان: في الأصل، ومشطوب على كلمة مهنا.

<<  <  ج: ص:  >  >>