للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ونلتُ من صاحب ماردين كل ما أريد إن شاء الله تعالى، وسار وجميع الأمراء معه، فتلقاهم صاحب ماردين بأحسن ملتقى، وأجلس قراسنقر في مرتبته، وجلس هو أسفل منه، وكذا أجلس الأفرم إلى جانبه، وأجلس بقية الأمراء، ثم قال: يا أمراء، والله، لكم زمان في نَصَبٍ ومشقة وضيق صدر، وما انشرح لكم خاطر مما جرى لكم، واليوم مضى جميع ذلك، ووصلتم إلى الفرح والسرور، وقد عولت على أني أعمل لكم مجلسًا فيه طيب وفرح ليذهب عنكم الهم والغم، فقال له قراسنقر: الرأي رأيكم، فأنت أهل لذلك.

فأمر صاحب ماردين لأمير مجلسه أن ينصب مجلس البسط، ففي الحال رتب أشياء أدهشت الأمراء، وفيها من جميع الأواني من الذهب والفضة المرصعة بالفصوص، وأحضر الفتيات ومعهن العيدان وسائر آلات اللهو والمغنى، ثم دارت الكاسات، فشرب صاحب ماردين كأسًا، ثم ملأه وناوله لقراسنقر، فأخذه من يديه، ثم تذكر أهله وأولاده ووطنه فبكى حتى أنه أبكى الحاضرين، ثم قام وخرج ليقضي له شغلًا ثم أخرج الحُقَّ الذي فيه السم، وأخذ برأس إبرة قدر القمحة، ثم عبر، فقام له كل من في المجلس، وجلس على مرتبته، وأخذ ذلك الكأس الذي أعطاه إياه صاحب ماردين فشربه وأعطاه للساقي، فقال له: املأه وهاته، فملأه وأعطاه، فأخذه قراسنقر ونظر فيه، [فقال للساقي] (١) احترز، ألا تنظر إلى هذه الشعرة؟ فمد يده وحط فيه ذلك الذي أخذه على رأس الإبرة، فأوهم الحاضرين أنه شال منه شعرة، ثم قَبَّل القَدَح وناوله لصاحب ماردين، فأخذه صاحب ماردين وشرب بعضه، ورَدَّ البعض، فقال له قرا سنقر: أنا شربت جميع الكأس الذي ناولتني إياه، فقال: والله، يا أمير، استعملت كثيرا وقد غلب الخمر عَلَيَّ، وطفح السُّكْر فِيَّ، وهذا ولدي يقوم مقامي، ولم بدر ما في الغيب، فشرب ولده بقية ما في الكأس، ثم دارت عليهم السُّقاة بالكبار والصغار ساعة من النهار، فحكم فيهم العقار حتى لا يعرف أحد منهم باب الدار، ثم طلب الأمراء دستورًا، فأعطاهم دستورًا، وساروا إلى منازلهم، فقال قراسنقر: والله نلنا


(١) فقال له الساقي: في الأصل، والتصويب يتفق مع السياق.

<<  <  ج: ص:  >  >>